وسأورد هاهنا منه نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق الذي سلكته .
فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم ؛ فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان والشكر ، ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظلّ ، وأشباه ذلك ، والشكر كلمات تقال في التّنويه بذكر المحسن وإحسانه ، والرّقيم هو الكتاب المكتوب ، فهو والشكر متماثلان ، والذي أتيت به قد أوردته ، وهو فصل من كتاب إلى بعض المنعين :
الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظلّ عنده مقيما ، وغدا بمطالبه زعيما ، وأصبح بتواليه إليه مغرما كما أصبح له غريما ، ولما تمثّل في الاشتمال عليه كهفا صار شكره فيه رقيما .
فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع ؛ لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقا تسلكه .
وأما الحديث النبوي فإني أخذت قصة قتلى بدر كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم ونقلتها إلى القلم ، وذاك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقف على القليب الذي ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال : يا عتبة ، يا شيبة ، يا أبا جهل ، يا فلان ، يا فلان ؛ والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه ، والذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت :
ولقد مرح القلم في يدي وحقّ له أن يمرح ، وأبدع فيما أتى به وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح ، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر فلا ينتهي من خطبتها إلى فصلها ، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها .
فالدّواة قليب ، والقلم يقف عليه ، والمعاني التي ينشئها من باب العلم ، لا من باب الجهل ؛ فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدا ، وهي مخترعة لي .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 334
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص٣٣٤