فيها المناب ، وكما رخص العذر في قصر الصلاة فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب ، وقد ودّ لو حضر بنفسه فاستسقى لذلك الضريح سحابا ، وعقر عنده ركابا ، وسأل اللّه له مغفرة وثوابا ؛ والسلام .
في هذا الكتاب معنى غريب ، وهو قولي : « سعد الأخبية » كناية عن المرأة ، و « سعد السود » كناية عن ولدها ؛ لأن سعد الأخبية اسم منزلة من منازل القمر ، والأخبية : جمع خباء ، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية ، فهي سعدها ، وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد ، وقد اتفق سعد الأخبية وسعد السعود معا ، وهذا أيضا غريب .
ومن ذلك أني كتبت كتابا عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى أخيه الملك الظاهر غازي بن يوسف صاحب حلب ، في أمر شخص كان أبوه صاحب مدينة تكريت ، وتكريت هذه كان يتولاها قديما الأمير أيوب جد الملك الأفضل والملك الظاهر ، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما ، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو وعشيرته لأمر طرأ لهم ، وجاء إلى الموصل ، ثم إلى الشام ، وهناك سعدوا ، وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف ، فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة ؛ لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله ، فحينئذ كتبت هذا الكتاب ، وهو : رفع اللّه شأن مولانا الملك الظاهر ولا زال الدهر فاخرا بمآثر سلطانه ، ناظما مناقبه في جيده ومحامده في لسانه ، ناسخا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل بويه وآل حمدانة ، كتاب الخادم هذا وارد من يد الأمير شمس الدين ابن صاحب تكريت ، وهي أول أرض مسّ جلد الوالد ترابها ، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها ، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقا ، وأشام إذا خرج معرقا ، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء ، ويكفي صاحبها أن يقول لا أسقي حتى يصدر الرّعاء ، وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذماما ، وتقول له : سلاما إذا قال سلاما ، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده ، وتفاؤلا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده ، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب ؛ فإن اللّه على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب ، وكتاب
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 331
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص٣٣١