تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
الخادم على انفراده كاف لحامله ، ومكثر من حقوق وسائله ، وقد صدر مخاطبا عن فحوى ضميره ، فإنما تحقّ السفارة إذا قعد بكل طالب سعي سفيره ، وهو مع ذلك خفيفة صفحته ، وجيزة لمحته ، وإذا وجد لدى مولانا معولا ، فليس عليه أن يرد مطولا ، إذ التعويل على نجح مصدره ، لا على كثرة أسطره . فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب ، وأعطه حقه من التأمل ، حتى ترى ما اشتمل عليه من المعاني ، وانظر كيف ذكرت الأول ، ثم الثاني ، ثم الثالث ؛ أما المعنى الأول : فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها وأنها ولدت بتكريت ، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها ، إذ كان أبوه صاحبها ، وأما المعنى الثاني : فإنه قصد الخدمة الظاهرية ، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذماما ، وأما المعنى الثالث : فإنه حرمة الكتاب الصادر على يده ، ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا دعا دعا ثلاثا ، وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين : أحدهما : أنه موضع سؤال وضراعة ، والآخر : أن الكتاب وسيلة ثالثة ، والدعاء ثلاث مرار ، وأما تثليث النجوم فإن التثليث سعد ، والتربيع نحس ، وأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث ، وأما الثاني فإنه متداول ، فتأمل ما أشرت إليه ، وإذا شئت أن تكتب كتابا فافعل كما فعلت في هذا الكتاب إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع . واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع ، وذلك يكون قليلا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنّة المعاني المبتدعة . ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها ، وهو : فإذا تناولوها في أيديهم قيل : أهلة طالعة من أكف أقمار ، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل : منايا مسوقة بأيدي أقدار ، وتلك قسيّ وضعت للّعب لا للنضال ، ولردى الأطيار لا لردى الرجال ، وإذا نعتها ناعت قال : إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة ، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة ، فهي مركبة من حيوان ونبات ، مؤلفة منهما على بعد الشّتات ، فهذا من سكان البحر وسواحله ، وهذا من سكان البر ومجاهله ، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا