تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
أني بعثت معشوقا إلى معشوق ، وكلاهما محلّه القلب بل القلب من حبهما مخلوق ، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله ، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله ، وما وصف واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه ، ومن أغرب أوصافه وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيها سواه ، لا جرم أنه إذا سفر في أمر « 1 » تلطّف في فتح أبوابه ، وتناول وعره بسهله وبعده فبدله باقترابه ، ولو بعثت غيره لخفت ألّا يكون في سفارته صادقا ، أو أنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا ، فليس على الحسن أمانة ، وفي مثله تعذر الخيانة ، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها ، ورأت مالا يحتمله كاهل جهدها ، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام ، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام ، وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسا وكتابا ، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابا ، والسلام إن شاء اللّه تعالى . وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره ؛ فالأول : ما ذكرته في قسم الصدقات وفكّ الرقاب ، والثاني : ما ذكرته في وصف الدينار وهو أنه وجيه ذو وجهين ؛ وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذو الوجهين لا يكون وجيها » وهذا معنى لم يسبقني أحد إليه ، وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته ولم يظفر بهذا المعنى ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله ، والثالث أني بعثت معشوقا إلى معشوق . ومن ذلك ما كتبته ، وكان توفيت زوجة بعض الملوك وتوفي معها ولد لها وهو طفل صغير ، وكان بينهما يومان ، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضا ، فكتب إليه من الأطراف المجاورة يعزونه ، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبا ، وعرض عليّ نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها ، فوجدتها كتبا باردة غثة لا تعرب عن الحادثة ، بل بينها وبينها بعد المشرقين ، ومن شرط الكتاب أن يكون الكتاب مضمنا فض المعنى المقصود ، والتعازي مختلفة الأنحاء : فتعازي النساء غير تعازي الرجال ، وهي من مستصعبات فنّ الكتابة والشعر ، وتعازي الرجال أيضا تختلف ، فلا يعزّى بالميت على فراشه كما يعزّى بالميت قتيلا ، ولا يعزّى بالقتيل كما يعزّى بالغريق ، وهكذا يجري الحكم في
هامش
( 1 ) في أ ، ب ، ج « إذا أسفر في أمر » .