تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وعلى هذا فإن الفرق بينه وبين المعاظلة أن المعاظلة هي التراكب والتداخل إما في الألفاظ أو في المعاني ، على ما أشرت إليه ، وهذا النوع لا تراكب فيه ، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه . وهو ينقسم قسمين : أحدها : يوجد في اللفظة الواحدة ، والآخر : في الألفاظ المتعددة . فأما الذي يوجد في اللفظة الواحد فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله بغيره مما هو في معناه ، سواء كان ذلك نثرا أو نظما . وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره في الشعر ، بل يمكن ذلك في النثر خاصة ؛ لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن . فمما جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي « 1 » :
فلا يبرم الأمر الّذي هو حالل * ولا يحلل الأمر الّذي هو يبرم
فلفظة « حالل » نافرة عن موضعها ، وكانت له مندوحة عنها ؛ لأنه لو استعمل عوضا عنها لفظة « ناقض » فقال :
فلا يبرم الأمر الّذي هو ناقض * ولا ينقض الأمر الّذي هو يبرم
لجاءت اللفظة قارّة في مكانها ، غير قلقة ولا نافرة . وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعرّي أنه كان يتعصّب لأبي الطيب ، حتى إنه كان يسميه « الشاعر » ويسمي غيره من الشعراء باسمه ، وكان يقول : ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها فيجيء حسنا مثلها ؛ فيا ليت شعري أما وقف على هذا البيت المشار إليه ، لكن الهوى كما يقال أعمى ؛ وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبيّة ، فاجتمع له العمى من جهتين .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها عمر بن سليمان الشرابي ، وأولها قوله :نرى عظما بالبين ، والصّدّ أعظم * ونتهم الواشين ، والدّمع منهم