فسمي الظبي تولبا ، والتولب : ولد الحمار .
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر ، وهو خطأ ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه ، وليست حقيقتها هذه ، بل حقيقتها ما تقدم ، وهو التراكب ، من قولهم : تعاظلت الجرادتان ، إذا ركبت إحداهما الأخرى ، وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركّب في ألفاظه ولا في معانيه .
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه ، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية ، ولكنه ضرب لها مثالا ، كقول الفرزدق « 1 » :
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
وهذا من القسم المعنوي ، لا من القسم اللفظي ، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه ؛ لأن الأصل في معناه : وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه ، وسيجيء شرح ذلك مستوفى في بابه من المقالة الثانية ؛ إن شاء اللّه تعالى .
وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره هاهنا ، فأقول :
إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها ، ومن النظر في حقيقتها نفسها ، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام :
الأول منها :
يختص بأدوات الكلام ، نحو من وإلى وعن وعلى ، وأشباهها ؛ فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته ، ومنها ما لا يسهل ، بل يرد ثقيلا على اللسان ، ولكل موضع يخصه من السبك .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان . كذا قاله العباسي في معاهد التنصيص ( ص 21 بولاق ) ولم أعثر على هذه القصيدة في الديوان .