تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
فإنه جمع قبّة على قبب ، وذلك من المستبشع الكريه ، والأحسن المستعمل هو قباب لا قبب ، وكذلك يجري الأمر في غير هذا . ومن المجموع ما يختلف استعماله ، وإن كان متفقا في لفظة واحدة ، كالعين الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم ؛ فإن العين الناظرة تجمع على عيون ، وعين الناس تجمع على أعيان ، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان ، لا إلى جائز الوضع اللغوي . وقد شذ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله « 1 » :
والقوم في أعيانهم خزر * والخيل في أعيانها قبل
فجمع العين الناظرة على أعيان ، وكان الذوق يأبى ذلك ، ولا تجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزا . ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة ، وكشفت عن رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن ؛ لكن في الذي أشرت إليه منبّه لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره . وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ ؛ فتارة تجد مفرده حسنا ، وتارة تجد جمعه حسنا ، وتارة تجدهما جميعا حسنين ؛ فالأول نحو حبرور وهو فرخ الحبارى ؛ فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها ؛ لأن جمعها على حبارير ، وكذلك طنبور وطنابير ، وعرقوب وعراقيب ؛ وأما الثاني فنحو بهلول وبهاليل ، ولهموم ولهاميم ، وهذا ضد الأول ؛ وأما الثالث فنحو جمهور وجماهير ، وعرجون وعراجين ، فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردا ومجموعا ؟ وهذا من أعجب ما يجيء في هذا الباب . وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثية مسكنة الوسط وجميعها حسن في الاستعمال ، وإذا أردنا أن نثقل وسطها حسن منها شيء دون شيء .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها عضد الدولة ، وأولها قوله :اثلث فإنّا أيّها الطّلل * نبكي وترزم تحتنا الإبل
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 282 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي