تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع وقاس عليه ما ليس بمقيس ؛ وذلك أنه وقف على ما ذكرته هاهنا واقف ؛ وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم ، ولم ترد إلا مجموعة ، كقوله تعالى :
« وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين »
وهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام « 1 » :
كانوا برود زمانهم فتصدّعوا * فكأنّما لبس الزّمان الصّوفا
وهذا ليس كالذي أشرت إليه ؛ فإن لفظة الصوف لفظة حسنة مفردة ومجموعة ، وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازيّة في نسبتها إلى الزمان . وعلى هذا النهج وردت لفظة خبر وأخبار ؛ فإن هذه اللفظة مجموعة أحسن منها مفردة ، ولم ترد في القرآن إلا مجموعة . وفي ضد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا ولم يرد مجموعا ، كلفظة الأرض ؛ فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن ، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل :
« ومن الأرض مثلهن »
في قوله تعالى :
« الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن »
. ومما ورد من الألفاظ مفردا فكان أحسن مما يرد مجموعا لفظة البقعة ، قال اللّه تعالى في قصة موسى عليه السلام :
« فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله »
والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة ، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة كقولنا : بقاع الأرض ، أو ما جرى مجراها .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها أبا سعيد محمد يوسف ، وأولها قوله :أطلالهم سلبت دماها الهيفا * واستبدلت وحشا بهنّ عكوفا
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 279 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي