تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وكذلك لفظة طيف ، في ذكر طيف الخيال ؛ فإنها لم تستعمل إلا مفردة ، وقد استعملها الشعراء قديما وحديثا فلم يأتوا بها إلا مفردة ، لأن جمعها جمع قبيح ؛ فإذا قيل طيوف كان من أقبح الألفاظ وأشدها كراهة على السمع ، ويا للّه العجب من هذه اللفظة ومن أختها عدة ووزنا وهي لفظة ضيف ؛ فإنها تستعمل مفردة ومجموعة ، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق ، وهذا مما لا يعلم السر فيه ؛ والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما . وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنا ، والإفراد فيه هو الحسن ، ومما جاء في المصادر مجموعا قول عنترة « 1 » :
فإن يبرأ فلم أنفث عليه * وإن يفقد فحقّ له الفقود
قوله : الفقود جمع مصدر من قولنا : فقد يفقد فقدا ، واستعمال مثل هذه اللفظة غير سائغ ولا لذيذ ، وإن كان جائزا ، ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن ، لا مع الجواز . وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم ؛ فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ بضروب التصريف ، فما عذب في فمه منها استعمله ، وما لفظه فمه تركه ، ألا ترى أنه يقال : الأمّة بالضم عبارة عن الجمع الكثير من الناس ، ويقال : الإمة بالكسر وهي النعمة ، فإن الأمة بالضم لفظة حسنة ، وبالكسر ليست بحسنة ، واستعمالها قبيح . ورأيت صاحب كتاب الفصيح قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة ؛ ويا ليت شعري ! ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها ؟ وكذلك قد اختار ألفاظا أخر ليست بفصيحة ، ولا لوم عليه ؛ لأن صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير ، وأسرار الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية ، وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو تصريفية ، أو
هامش
( 1 ) من أبيات له أولها قوله : تركت بني الهجيم لهم دوار * إذا تمضي جماعتهم تعود
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 280 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي