مستقبلة فكقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم : « لو مدّ لنا الشّهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمّقون تعمّقهم » وقال أبو الطيب المتنبي « 1 » :
تشقّكم بقناها كلّ سلهبة * والضّرب يأخذ منكم فوق ما يدع « 2 »
وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له ، كقول أبي العتاهية :
أثروا فلم يدخلوا قبورهم * شيئا من الثّروة الّتي جمعوا
وكان ما قدّموا لأنفسهم * أعظم نفعا من الّذي ودعوا
وهذا غير حسن في الاستعمال ، ولا عليه من الطلاوة شيء ، وهذه لفظة واحدة لم يتغير من حالها شيء ، سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير .
وكذلك لفظة وذر ، فإنها لا تستعمل ماضية ، وتستعمل على صيغة الأمر ، كقوله تعالى :
« ذرهم يأكلوا ويتمتعوا »
وتستعمل مستقبلة أيضا ، كقوله تعالى :
« سأصليه سقر ، وما أدراك ما سقر ، لا تبقى ولا تذر » فهي لم ترد في القرآن إلا على هاتين الصيغتين ، وكذلك في فصيح الكلام غير القرآن ، وأما إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل ، وهي أقبح من لفظة ودع ، لأن لفظة ودع قد استعملت ماضية ، وهذه لم تستعمل .
وهاهنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم ، ويعلموا أن في الزوايا خبايا ، وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال ، وأغرقوا في الاعتبار والكشف ؛ وجدوا غرائب وعجائب .
هامش
( 1 ) من قصيدة له يمدح فيها سيف الدولة ، وأولها قوله :غيري بأكثر هذا النّاس ينخدع * إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا( 2 ) وقع في أ ، ب ، ج « يشقكم بفتاها » وهو تحريف ، والذي أثبتناه عن الديوان .