تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
و
« إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب »
وأشباه ذلك ، وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق ، ومخارجها بعيدة ، وليست بمستثقلة ولا مكروهة وقد تستعمل مفردة بشرط أن تكون مضافة أو مضافا إليها ؛ أما كونها مضافا إليها فكقولنا : لا يعلم ذلك إلا ذو لب ، وإن في ذلك لعبرة لذي لب ، وعليه ورد قول جرير :
إنّ العيون الّتي في طرفها حور * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
وأما كونها مضافة فكقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ذكر النساء : « ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الحازم من إحداكنّ يا معشر النّساء » ؛ فإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة ؛ ولا تجد دليلا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح ، وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد كلفظة كوب ، فإنها وردت في القرآن مجموعة ، ولم ترد مفردة ، وهي وإن لم تكن مستقبحة في حال إفرادها فإن الجمع فيها أحسن ، لكن قد ترد مفردة مع ألفاظ أخر تندرج معهن فيكسوها ذلك حسنا ليس لها ؛ وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر وما يجري معها من آلاتها :
ثلاثة تعطي الفرح * كأس وكوب وقدح ما ذبح الذّوق بها * إلّا وللهمّ ذبح
فلما وردت لفظة الكوب مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسنها ، وكأنه جلاها في غير لباسها الذي كان لها إذ جاءت بمفردها . وكذلك وردت لفظة رجا بالقصر ، والرّجا : الجانب ، فإنها لم تستعمل موحّدة وإنما استعملت مجموعة ، كقوله تعالى :
« والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية »
فلما وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبا من الحسن لم يكن لها في حال كونها موحّدة ، وقد تستعمل موحدة بشرط الإضافة ، كقولنا : رجا البئر .