تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
أعزر عليّ بأن أراك وقد خلا * عن جانبيك مقاعد العوّاد « 1 »
وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت « 2 » في كتابه فقال : إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح ، إلا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر ، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه ، وهم العواد ، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا ، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به ؛ هذا حكاية كلامه ، وهو مرضيّ واقع في موقعه ، ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول : قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم ، فجاءت حسنة مرضية ، وهي قوله تعالى :
وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال
وكذلك قوله تعالى : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر ، ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العوّاد : مقاعد الزيارة ، أو ما جرى مجراه ؛ لذهب ذلك القبح ، وزالت تلك الهجنة ، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن ، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي . وعلى هذا ورد قول تأبط شرا « 3 » :
أقول للحيان وقد صفرت لهم * وطابي ويومي ضيّق الجحر معور « 4 »
فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه ، لأن الجحر يطلق على
هامش
( 1 ) في الديوان « مقاود العواد » وهو خطأ . ( 2 ) انظر كتاب « سر الفصاحة » لابن سنان الخفاجي ( ص 79 ) . ( 3 ) من أبيات رواها أبو تمام في ديوان الحماسة ، وأولها :إذا المرء لم يحتل وقد جدّ جدّه * أضاع وقاسى أمره وهو مدبر( انظر شرح التبريزي : 1 - 75 ) . ( 4 ) لحيان : بطن من هذيل ، وقوله : « صفرت لهم وطابي » يريد خلا قلبي من ودهم ، ومعور : بادية عورته ، وهي مكان المخافة منه .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 189 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي