غدائره مستشزرات إلى العلا * تضلّ المدارى في مثنّى ومرسل « 1 »
فلفظة « مستشزرات » مما يقبح استعمالها ؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها ، وإن لم تكن طويلة ؛ لأنا لو قلنا « مستنكرات » أو « مستنفرات » على وزن « مستشزرات » لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة .
ولربما اعترض بعض الجهال في هذا الموضع ، وقال : إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها ، وليس الأمر كذلك ؛ فإنا لو حذفنا منها الألف والتاء وقلنا :
« مستشزر » لكان ذلك ثقيلا أيضا ، وسببه أن الشين قبلها تاء ، وبعدها زاي ، فثقل النطق بها ، وإلا فلو جعلنا عوضا من الزاي راء ومن الراء فاء ، فقلنا : « مستشرف » لزال ذلك الثقل .
ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها ، فأكبر ذلك ؛ لوقوفه مع شهرة التقليد في أن امرئ القيس أشعر الشعراء ، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة ، وقلت له : لا يمنع إحسان امرئ
هامش
( 1 ) البيت من معلقته المشهورة التي أولها :قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللّوى بين الدّخول فحوملوقبل البيت قوله :وفرع يزين المتن أسود فاحم * أثيث كقنو النّخلة المتعثكلوأراد بالفرع شعرها ، والمتن : الظهر ، وفاحم : يشبه الفحم ، والمراد أنه شديد السواد ، وأثيث : كثير ، وقنو النخلة : ما يكون فيه البلح ، وهو المشراخ ، والمتعثكل : الذي تداخل بعضه في بعض لكثرته . ويقال : هو المتدلي . والغدائر : جمع غديرة والمراد خصلاته ، والضمير يعود إلى الفرع . ومستشزرات : مرتفعات . والمداري : جمع مدراة ، والمراد بها المشط . والمثني : الذي فتل بعضه على بعض ، والمرسل : الذي ترك بغير فتل . ويروى « تضل العقاص في مثني ومرسل » والعقاص : جمع عقيصة ، وهو ما جمع من الشعر ففتل تحت الذوائب ، يريد أنها لكثرة شعرها تجعله ثلاثة أقسام فبعضه تعقصه ، وبعضه تفتله ، وبعضه ترسله ، وأن الذي تعقصه يكون بين المفتول والمرسل فيغيب فيهما حتى لا يكاد يظهر .