وكقوله :
وأنمر الجلدة صيّرته * في النّاس زاغا وشقرّاقا
ما زلت أجري كلكي فوقه * حتّى دعا من تحته قاقا
وكقوله :
وملحّة بالعذل تحسب أنّني * بالجهل أترك صحبة الشّطّار
وقد استعمل لفظة الشّاطر والشّاطرة والشّطّار كثيرا ؛ وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها .
وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها .
ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين : أحدهما : يكره ذكره وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت ، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح ، فأما إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة ، كقوله تعالى :
فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون
ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام وعلى الضرب الذي هو دون الحد ، وذلك نوع من الهوان ، وهما معنيان ضدان ، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها فخصت معناها بالحسن ؛ وميزته عن القبيح ، ولو وردت مهملة بغير قرينة وأريد بها المعنى الحسن لسبق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح . مثال ذلك لو قال قائل : لقيت فلانا فعزرته ، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه ، ولو قال : لقيت فلانا فأكرمته وعزرته ، لزال ذلك اللبس .
واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه ، ولو لم تجيء معه لما استقبح ، كقول الشريف الرضي « 1 » :
هامش
( 1 ) من قصيدة له يرثي فيها أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب ، وأولها قوله :أعلمت من حملوا على الأعواد * أرأيت كيف خبا ضياء النّادي