تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
المصوغات ، أو صرّافا يتجهبذ في نقوده المختلفة من الذهب المختلف الألوان ، ولا أقول من الفضة ؛ فإنه ليس فيه من الفضة شيء ، وهو أعلى من ذلك ، أو يكون فيه تاجرا يديره على يده ، ويتصرّف في أرباحه ، ويخرج من الأمتعة المجلوبة من مناسجه كلّ غريبة عجيبة ، وكل هذا يفهمه من عرف فلزم ، وحكم بما علم .
وما كلّ من قال القريض بشاعر * ولا كلّ من عانى الهوى بمتيّم
واعلم أن المتصدّي لحل معاني القرآن يحتاج إلى كثرة الدرس ؛ فإنه كلما ديم على درسه ظهر من معانيه ما لم يظهر من قبل ، وهذا شيء جرّبته وخبرته ؛ فإني كنت آخذ سورة من السور وأتلوها ، وكلما مر بي معنى أثبتّه في ورقة مفردة ، حتى أنتهي إلى آخرها ؛ ثم آخذ في حل تلك المعاني التي أثبّتها واحدا بعد واحد ، ولا أقنع بذلك حتى أعاود تلاوة تلك السورة ، وأفعل مثل ما فعلته أولا ، وكلما صقلتها التلاوة مرّة بعد مرة ، ظهر في كل مرة من المعاني ما لم يظهر لي في المرة التي قبلها . وسأورد في هذا الموضع سورة من السور ، ثم أردفها بآيات أخرى من سور متفرقة ، حتى يتبين لك أيها المتعلم ما فعلته فتحذو حذوه ، وقد بدأت بالسورة أولا ، وهي سورة يوسف عليه السلام ؛ لأنها قصة مفردة برأسها ، وفيها معان كثيرة : فالأول : ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب ، وهو : وصل كتاب الحضرة السامية أحسن اللّه أثرها ، وأعلى خطرها ، وقضى من العلياء وطرها ، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها ، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها . وهذا أول معنى في السورة ، وقد نقلته عن قصة المنام إلى الدعاء . ثم أبرزت هذا المعنى في صورة أخرى ، وهو : أكرم النّعم ما كان فيها ذكرى للعابدين ، وتقدمه
إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين
، فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير ، وتجلو ظلمة الخطب بالصباح المنير ؛ فانظر إلى أثر رحمة اللّه كيف يحيي الأرض بعد موتها ، إنّ ذلك لمحيي الموتى وهو على كلّ شيء قدير .