محتسب حتى يتفلس منها خلق كثير ، وتستريح جياد كثيرة من ركوب حمير ، وفي مثل هذا السوق يظهر أهل الخلابة والنجش ، وما منهم إلا من هو في الحضيض الأسفل وقد أجلس نفسه قائمة العرش ، ونار الآلة العمرية تميز خالص النقود من زيفها ، ولا حيف في هذا المقام على من أسرفت دعواه الكاذبة في حتفها .
وبعض هذا الفصل مأخوذ من شعر عبد السلام بن رغبان عرف بديك الجن « 1 » :
يزهى به القلمان إلّا أنّ ذا * لدن المجسّ وأنّ ذا بكعوب « 2 »
عودان : يقضب ذا الطّلى بلعابه ، * ويجوب ذا المهجات بالتّركيب
ويكفيك أيها المتوشح لنثر الشعر أن تنظر إلى هذا الفصل ، وتتأمل الموضع الذي أخذت معنى هذين البيتين ووضعته فيه ؛ فإن فيه غناء ومقنعا .
وأما حلّ آيات القرآن العزيز فليس كنثر المعاني الشعرية ؛ لأن ألفاظه ينبغي أن يحافظ عليها ، لمكان فصاحتها ، إلا أنه لا ينبغي أن يؤخذ لفظ الآية بجملته ؛ فإن ذلك من باب التضمين ، وإنما يؤخذ بعضه ، فإما أن يجعل أولا لكلام أو آخرا ، على حسب ما يقتضيه موضعه ، وكذلك تفعل بالأخبار النبوية .
على أنه قد يؤخذ معنى الآية والخبر فيكسى لفظا غير لفظه ، وليس لذلك من الحسن ما للقسم الأول ؛ للفائدة التي أشرنا إليها .
وقد سلكت في ذلك طريقا اخترعتها ، وكنت أبا ابن عذرتها ، وعند تأمل ما أوردته منها في هذا الكتاب يظهر للمتأمل صحة دعاويّ ، ولئن كان من تقدّمني أتى بشيء من ذلك فإني ركبت فيه جوادا وركب جملا ، ونال من مورده نهلة واحدة ونلت منه نهلا وعللا ، ومن آتاه اللّه في القرآن بصيرة فإنه يسبك ألفاظه ومعانيه في كلامه ، ويستغني به عن غيره ، إلا أنه ينبغي أن يكون فيه صوّاغا يخرج منه ضروب
هامش
( 1 ) في ب ، ج « عبد السلام بن رعبان » بالعين مهملة في اسم أبيه ، وهو تصحيف ، وانظر ابن خلكان .
( 2 ) في ج « لدن المجلس » وهو تصحيف شنيع ، وورد في ب على وجه الصواب .