تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان من أهل الكتابة كان اعتدى عليه شخص يدّعي الكتابة وليس من أهلها ، فقلت : وقد نيط بسيدنا قلما الخطّ اللذان ينسب أحدهما إلى المداد وينسب الآخر إلى الصّعاد « 1 » ، فهو يدير هذا في معركة المقال وهذا في معركة الطّراد ، ولربما صهل أحد قلميه من فوق صفحات الدروج ، كما تصهل الجياد من تحت أعواد السّروج ، فله احتفال المواطن والمجالس ، وإليه غناء أصحاب العمائم والقلانس ، لا كمن لا يجاوز همّه طرفي ردائه ، وإذا نودي لفضيلة قيل : إنما يسمع الحيّ بندائه ، وكم في الناس من صور لا تجد لمعناها أثرا ، وإذا رأيتها قلت أرى خالا ولا أرى مطرا ، وأيّ جمال عند من ليس له إلا جمال ثيابه ، وهل ينفع السيف الكهام أن تجعل من الذهب حلية قرابه ، وكل من هؤلاء ذنب يسعى بغير رأس ، ولا له همّ إلا في عيشة الطاعم الكاس « 2 » وإذا اعتبر حاله وجد من البهائم وإن كان منسوبا إلى الناس ، والسيادة ليست في وشي الثياب ، ولا في طيب الطعام والشراب ، وإنما هي في شيئين : إما شهامة قلم تفرق لها قلوب الغمود ، أو شهامة رمح تفرق لها قلوب الأسود ، وكأني بقوم يسمعون هذا وكلهم يمتعض امتعاض المغضب ، وتتابع نفسه تتابع المتعب ، ويعترض الشّجى في حلقه حتى يغصّ من غير أن يشرب ، ولم يزل بالحساد من سيدنا داء يورثهم أرقا ، ويوسعهم شرقا ، وكثيرا ما تعرق له جباههم وكذا الميت يندى جبينه عرقا ، وما أرى لهؤلاء دواء إلا أن يطرحوا عن مناكبهم ثقل المساجلة ، والحسد إنما يكون ممن يجري مع صاحبه في مضمار المماثلة ، وكنت أحبّ أن يقام على الكتابة
هامش
( 1 ) الصعاد - بكسر الصاد - : جمع صعدة - بفتح فسكون - وهي القناة المستوية التي نبتت كذلك فهي لا تحتاج إلى تثقيف . ( 2 ) يشير إلى قول الحطيئة :دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسيويراد بالطاعم الكاسي الذي يؤتى له بالطعام والكسوة من غير أن يتجشم لهما ؛ فهما بمعنى المطعوم المكسو ، وهذا هو الذي حمل النحاة على أن قالوا : الطاعم الكاسي في هذا ونحوه بمعنى المنسوب إلى الطعام والكسوة .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 125 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي