فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب . ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ، فانظر كيف أخذت هذه القصة وقابلت بينها وبين الكتاب ، ثم إني تصرفت فيها بالموافقة بينهما تارة والمخالفة بينهما أخرى ، وهكذا ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله .
ومن ذلك ما كتبته عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى الديوان العزيز النبوي ببغداد في فصل من كتاب ، وهو : وقد علم أن المال الذي يختزن ، كالماء الذي يحتقن ، فكما أن هذا يأجن بتعطيل الأيدي عن امتياح مشاربه ، فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتياح مواهبه ، وأيّ فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب ، وتقلّ به الخطوب ، ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب ، ومن بسط اللّه يده فيه ثم قبضها بحله فإنه يقف دون الرجال مغمورا ، ويقعد عن نيل المعالي ملوما محسورا ، وإذا أدركته منية مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا ، ومذ ناط اللّه بيد الخادم ما ناطه من أمر بلاده لم يدخر منها إلا مربط أشقره ، ومركز أسمره ، وما عداهما فإنه مصروف إلى قوة الإسلام في سد ثغوره وتكثير جنوده ، وإيقاد حرب عدوه بعد خمودها واستباحة جمرها عند وقوده ، وما يفضل عن ذلك فإنه للناس يشتركون في وشله وغمره ، والمسلم أخو المسلم يساويه في حقه من بيت المال وإن خالفه في مزية قدره ، ولا سبيل على الخادم وهو يفعل ما يفعله أن يدلس من هذا المال بتبعة المطلوب ، أو يلتحق بالقوم الذين يكنزونه فيجزي عليه بكيّ الجباه والظهور والجنوب ، ولم يأت به اللّه على فترة من مثله إلا ليمحو به سيئات الدين ويعيد به الإسلام إلى وطنه بعد أن طال عهده بمفارقة الوطن ، ولا يكون حسنة من حسنات أمير المؤمنين ، ترقمها الدنيا في ديوانه ، وتثقل بها في الآخرة كفّة ميزانه .
وفي هذا الفصل معنى آيتين : إحداهما : في سورة هل أتى ، والأخرى : في سورة براءة .
ومن ذلك ما كتبته عنه إلىّ عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب من كتاب يتضمن استعطافه والتنصّل إليه ، وهو من شيمة الأقدار أن تذهب ببصائر ذوي الألباب ، ويمثل لهم الخطأ في مثال الصواب ، ولولا ذلك لما زلّ الحكيم واعوجّ
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 130
مساهمون: محمد محي الدين عبد الحميد
ص١٣٠