تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
لحادث يستأصله ، وإن أنفقه كان عليه في الحلال حسابا ، وفي الحرام عقابا ، فهذه زهرة الدنيا الناضرة ، وهذه عقباها الخاسرة . وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر صالح بن عبد القدّوس :
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا * ألفيت جمعا كلّه يتفرّق
ومن قول أبي العتاهية : أنّما أنت طول عمرك ما عمّرت في السّاعة الّتي أنت فيها ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن تعزية ، وهو : كيف يظلم ذلك اللّحد وبه من أعمال ساكنه أنوار ؟ أم كيف يجدب وبه من فيض يمينه سحاب مدرار ؟ أم كيف توحش أقطاره والملائكة داخلة عليه من تلك الأقطار ؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زوّاره وطيب ترابه هاد للزوار ، وما أعلم ما أقوله في هذا الخطب الجليل ، الذي دقّ فيه الحزن الجليل ، وسمحت له النفوس بالفدية على حب الحياة وذلك من الفداء القليل ، وقد قيل : إنه لم يخلق الدمع إلا إنذارا بأن نوائب الزمان ستنوب ، وقد جعله اللّه ذخرا للقائها وإنما يذخر السلاح للقاء الحروب ، والذي ذخرته منه لم يغن عني في هذه النائبة ، وأيّ جنّة تقوم في وجه سهامها الصائبة ، لا جرم أني أصبحت بين يديها هدفا للرماء ، ولم يبق مني إلا ذماء الحشاشة ومن العجب بقاء الذّماء . وشيء من هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي :
لم يخلق الدّمع لامرئ عبثا * اللّه أدرى بلوعة الحزن
وكذلك ذكرت فصلا في كتاب آخر يتضمن تعزية ، وهو : فيا ويح أيد أسلمته إلى الثرى وما كان يسلمها إلى الإعدام ، وألبسته ظلمة اللحد وطالما جلا عنها غيابة الظّلم والإظلام ، وغادرته بوحدته مستوحشا وقد كان يؤنسها بنوافل الإنعام ، ومثله لا يوارى القبر منه إلا صورة يدركها النفاد ، وتبلى كما يبلى غيرها من الأجساد ، ولكنه لا يستطيع مواراة الذكر الخالد الذي يذهب بشماتة الحساد ، ويتمثل في السماء بصورة الكواكب وفي الأرض بصورة الأطواد .