الفصل الرابع : في بيان كمال المحبّة واستلزامه دوام الشوق وذكر صفات المشتاق
اعلم : أنّ كمال المحبّة أن يحبّ لله بكلّ قلبه ؛ وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية قلبه مشغولة بغيره ، فبقدر ما يشتغل بغير الله ينقص منه حبّ الله إلّا أن يكون التفاته إلى الغير من حيث أنّه صنع الله وفعل الله ومظهر من مظاهر أسماء الله ؛ والشوق لا يسكن قطّ ، ولا سيما ممّن يرى فوقه درجات كثيرة .
قال الله تعالى :
« نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا » (
« 1 »
) .
وفى مصباح الشريعة قال الصادق ( ع ) : « الْمُشْتَاقُ لَا يشْتَهِى طَعَاماً ، وَلَا يلْتَذُّ شَراباً ، وَلَا يسْتَطِيبُ رُقَاداً ، وَلَا يأْنَسُ حَمِيماً ، وَلَا يأْوِى دَاراً ، وَلَا يسْكُنُ عُمْرَاناً ، وَلَا يلْبَسُ لَيناً ، وَلَا يقِرُّ قَرَاراً ، وَيعْبُدُ اللهَ لَيلًا وَنَهَاراً رَاجِياً أَنْ يصِيرَ إِلَى مَا اشْتَاقَ إِلَيهِ ، وَينَاجِيهُ بِلِسَانِ شَوْقِهِ مُعَبِّراً عَمَّا فِى سَرِيرَتِهِ ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ ( عز وجل ) عَنْ مُوسَى بنِ عِمرانَ فِى مِيعَادِ رَبِّهِ بِقَوْلِهِ :
« وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
» ( « 2 » ) ؛ وَفَسَّرَ النَّبى ( ص ) عَنْ حَالِهِ أَنَّهُ ما أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا نَامَ وَلَا اشْتَهَى شَيئاً مِنْ ذَلِكَ فِى ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ أَرْبَعِينَ يوْماً ، شَوْقاً
هامش
( 1 ) - التحريم : 8 .
( 2 ) - طه : 84 .