وعامّى ؛ وإن شئت فسمّهما المجتهد والمقلّد ، فلا مشاحة في الألفاظ .
وأمّا بصيرهم وهو الّذى له فهم وذكاء وقوّة قدسية وزهد في الدنيا وورع في الدين ، فكيفية التفقّه عنده أن يتّبع محكمات الكتاب والسنّة ومحكمات أحاديث أهل البيت ( ع ) ممّا صحّ عنهم ، فيستفهم ( « 1 » ) منها ما يجب اعتقاده وما يجب أن يعمل به ، ويشيده بشواهد عقله القويم وفهمه المستقيم ، ويؤيده بواردات ترد على ذهنه المصفّى بأعماله الصالحة المرضية وقلبه المنوّر بنور أخلاقه المهذّبة الزكية ؛ فإنّ شرف العقل لا يخفى ، ولولاه لما عرف الشرع ، وكأنّه شرع من داخل كما أنّ الشرع عقل من خارج ، وهما يتعاضدان ويتظاهران إلى أن يصيرا كأنّهما متّحدان .
وفى الحديث : « مَا أَدَّى الْعَبْدُ فَرَائِضَ اللهِ حَتَّى عَقَلَ عَنْهُ وَلَا بَلَغَ جَمِيعُ الْعَابِدِينَ فِى فَضْلِ عِبَادَتِهِمْ مَا بَلَغَ الْعَاقِلُ ، وَالْعُقَلَاءُ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى وَمَا يتَذَكَّرُ إلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ » ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) - في ب : يتفهّم .
( 2 ) - الكافي : 1 / 11 - 12 ، كتاب العقل والجهل ، ح 11 ؛ تمام الحديث في الكافي : « قالَ رسول الله : مَا قَسَمَ اللهُ لِلْعِبَادِ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ ، فَنَوْمُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ سَهَرِ الْجَاهِلِ ، وَإِقَامَةُ الْعَاقِلِ أَفْضَلُ مِنْ شُخُوصِ الْجَاهِلِ ، وَلَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً وَلَا رَسُولًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلَ ، وَيَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ جَمِيعِ عُقُولِ أُمَّتِهِ ، وَمَا يُضْمِرُ النَّبِيُّ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِين . . . » ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 1 / 85 - 86 ) في بيان الحديث : « « من شخوص الجاهل » أي خروجه من بلده طلبذ للخير والثواب : كجهاد أو حجّ أو تحصيل للعلم أو نحو ذلك ؛ وإنّما كان نوم العاقل وإقامته أفضل من سهر الجاهل وشخوصه لأنّ العاقل إنّما ينام ليسكن به من حركات التعب ونهضات النصب ، فيكون ذلك له جمالًا على الطاعات وقوّةً على العبادات ، وكذلك يقيم إذا رأى الإقامة أنفع له في دينه وأعظم أجرذ ، وإنّما فضيلة الأعمال بالنيّات وروحها التقرّب بها إلى الله سبحانه . وذلك إنّما يتصوّر بعد المعرفة واليقين ، والجاهل بمعزل عنهما . « وما يضمر النبيّ في نفسه » هو العلوم اللدنيّة التحقيقيّة النوريّة التي أخذها عن الله بلا واسطة تعليم بشر ، كما قال سبحانه لنبيّنا :« وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » .« من اجتهاد المجتهدين » من أجر شدّة عبادة العابدين من الجهد بمعنى المشقّة والكلفة ، أي ثواب معرفته الموهبيّة فحسب ، من دون إضافة ثواب سائر عباداته ومعارفه المكتسبة إليه أفضل من ثواب عباداتهم الشاقّة ومكتسباتهم المبذول فيها غاية جهدهم من العلوم النظريّة . « وما أدّى العبد فرائض الله » أي جميعها أو كما هو حقّ الأداء . « حتّى عقل عنه » أي أخذ العلم عن الله وفهم حقائق الأشياء من قبله سبحانه بلا وساطة بشر وتقليد أحد كما للأنبياء ، أو ببركة متابعة الأنبياء كما للعلماء .