تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢

الباب الثاني : في الإشارة إلى العلم النافع وفنونه

اعلم : أنّ العلم النافع هو علم الآخرة ، أو ما يستعان به على علم الآخرة ؛ وعلم الآخرة ما يكون شواهد وآيات لمعرفة الله جلّ وعزّ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وفرائض ( « 1 » ) عادلة في حواقّ الأوساط يكتسب بها مكارم الأخلاق ويجتنب بها مساوئها لتكميل الباطن والظاهر ، وسنناً ( « 2 » ) وآداباً يتوسّل بها وباستعمالها المجاهد إلى تيسير الانتفاع بتلك الفرائض والنواهي . وعسى أن تكون الإشارة إلى هذه الثلاثة ما ورد في الحديث النبوي فيما رويناه عن مولانا الكاظم ( ع ) قال : « دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ( ص ) الْمَسْجِدَ ، فَإذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ : عَلَّامَةٌ . فَقَالَ : ومَا الْعَلَّامَةُ ؟ فَقَالُوا لَهُ : أَعلمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ ووَقَائِعِهَا وأَيامِ الْجَاهِلِيةِ والْأَشْعَارِ والْعَرَبِيةِ ( « 3 » ) . قَالَ : فَقَالَ النَّبِى ( ص ) : ذَاكَ عِلْمٌ لَا يضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ ولَا ينْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ . ثُمَّ قَالَ النَّبِى ( ص ) : إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ : آيةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ؛ ومَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ » ( « 4 » ) .
هامش
( 1 ) - في د : أو فرائض . ( 2 ) - في أو د : أو سنن‌ذ . ( 3 ) - كذا في النسخ ، وفي ص : والأشعار العربيّة . ( 4 ) - الكافي : 1 / 32 ، كتاب فضل العلم ، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ، ح 1 ؛ قال المؤلّف في بيان الحديث في ( الوافي : 1 / 134 ) : « بيان : « علّامة » أي كثير العلم ، والتاء فيه للمبالغة . « لا يضرّ من جهله » نبّههم على أنّه ليس بعلم في الحقيقة ، إذ العلم في الحقيقة هو الذي يضرّ جهله في المعاد وينفع اقتناؤه يوم التناد ، لا الذي يستحسنه العوامّ ويكون مصيدة للحطام . ثمّ بيّن لهم العلم النافع المحثوث عليه في الشرع ، وحصره في ثلاثة ؛ وكأنّ « الآية المحكمة » إشارة إلى أصول العقائد ، فإنّ براهينها الآيات المحكمات من العالم أو من القرآن . وفي القرآن في غير موضع : « إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ » أو « لَآيَةً » ، حيث ذكر دلائل المبدء والمعاد ؛ و « الفريضة العادلة » إشارة إلى علوم الأخلاق التي محاسنها من جنود العقل ومسائها من جنود الجهل ، فإنّ التحلّي بالأوّل والتخلّي عن الثاني فريضة ، و « عدالتها » كناية عن توسّطها بين طرفي الإفراط والتفريط ؛ و « السنّة القائمة » إشارة إلى شرائع الأحكام ومسائل الحلال والحرام . وانحصار العلوم الدينيّة في هذه الثلاثة معلوم ، وهي التي جمعها هذا الكتاب وهي مطابقة على النشآت الثلاث الإنسانيّة ، فالأوّل على عقله ، والثاني على نفسه ، والثالث على بدنه ؛ بل العوالم الثلاثة الوجوديّة التي هي عالم العقل والخيال والحسّ ، « فهو فضل » زائد لا حاجة إليه ، أو فضيلة ولكنّه ليس بذلك » .