قليلًا إلى نشأة ثانية ( « 1 » ) ، حتّى إذا بلغ غايته من التجوهر ومبلغه من الاستقلال في الذات ينقطع تعلّقه عن البدن بالكلّية ويرجع إلى عالم أعلى ومحلّ أرفع .
ولهذا يرى الإنسان كلّما كمل عقله وازداد في عمره وحصل له تجاربه الّتى كانت في قوّته ازداد في بدنه وهناً وفى قواه كلالًا وضعفاً ، لاستغنائه عنه شيئاً فشيئاً ؛ فكلّما ازداد الرّوحُ حياةً بتحصيل الكمال ازداد البدنُ موتاً إلى أن يحيى هذا كملًا ويموت هذا كملًا ( « 2 » ) ، سواء كانت كمالاته مُسعِدةٌ له أو مُشقِيةٌ .
فإنّه كما يكون الحركة الذاتية في السعادة ويكون التّكامل فيها ، كذلك تكون في الشقاوة والازدياد فيها ، على حسب ما غُرِزَ في ( « 3 » ) جبلّة الرّوح ؛ فللإنسان حركة طبيعية ذاتية من لدن نشوه ووجوده ومبدئه إلى آخر بعثه ولقاء بارئه ومعاده ، وإليها الإشارة بقوله ( عز وجل ) : «
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
» ( « 4 » ) .
والموت والبعث منزلان من منازل هذا الطريق لا بدّ من المرور عليها لا محالة ولا مفرّ منهما ، فهما ضروريان للإنسان ، «
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
» ( « 5 » ) «
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ
» ( « 6 » ) «
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
هامش
( 1 ) - في « ق » و « ع » : ثابتة .
( 2 ) - يحيي الرّوح تامّاً كاملًا ويموت البدن تامّاً كاملًا .
( 3 ) - غُرِز فيه : أدخِل فيه .
( 4 ) - الانشقاق : 6 .
( 5 ) - النّساء : 78 .
( 6 ) - الجمعة : 8 .