الباب الثاني : في النبوّة
قال الله ( عز وجل ) : «
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
» ( « 1 » ) .
اعلم :
أنّ الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله والبدن مركب ، ومن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لميتمّ سفره ، وما لمينتظم أمر المعاش في الدنيا لايتمّ أمر التبتّل والانقطاع إلى الله الّذى هو السّلوك ، ولا يتمّ ذلك حتّى يبقى بدنه سالماً ونسله دائماً ، وإنّما يتمّ كلاهما بأسباب الحفظ لوجودهما وأسباب الدفع لمفسداتهما ومهلكاتهما ؛ أمّا أسباب الحفظ لوجودهما فالأكل والشّرب وذلك لبقاء البدن ، والمناكحة وذلك لبقاء النسل . وقد خلق الله تعالى الغذاء سبباً للحياة والإناث محلّاً للحِرَاثة ( « 2 » ) ، إلّا أنّه ليس يختصّ المأكول والمنكوح ببعض الآكلين والناكحين بحكم الفطرة ، مع أنّهم محتاجون إلى تمدّن واجتماع وتعاون ؛ إذ لا يمكن لكلّ منهم أن يعيش وحده يتولّى بتدبيراته المتكثّرة المختلفة من غير شريك يعاونه على ضروريات حاجاته ، بل لا بدّ مثلًا لأن ينتقل هذا لهذا ويطحن هذا لهذا ويخبز هذا لهذا .
وعلى هذا القياس فافترقت أعداد واختلفت أحزاب وانعقدت صُنّاع ( « 3 » ) وبلاد ، فاضطرّوا في معاملاتهم ومناكحاتهم وجناياتهم إلى قانون مرجوع إليه بين كافّتهم
هامش
( 1 ) - الفاطر : 24 .
( 2 ) - أشارإلى كريمة :« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ »، البقرة : 223 .
( 3 ) - جمع الصانع .