فاستعير له « الكفران » وأردف ذلك بنقمة اللعن والمذمّة زيادة في النكال ، وظهر على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها ، فاستعير له عبارة « الشكر » وأردف « 1 » بخلعة الثناء والاطراء « 2 » زيادة في الرضا والقبول والإقبال .
فكان الحاصل أنّه أعطى الجمال ، ثمّ أثنى وأعطى النكال ، ثمّ قبح وأردى . وكان مثاله أن ينظف الملك عبده الوسخ « 3 » عن أوساخه ، ثمّ يكسيه من محاسن ثيابه ، فإذا تمّم زينته قال : يا جميل ! ما أجملك وأجمل ثيابك وأنظف وجهك ! فيكون بالحقيقة هو المجمل وهو المثنّي على الجمال ، فهو المثنّى عليه بكلّ حال ، وكأنّه لم يثنّ من حيث المعنى إلّاعلى نفسه . وإنّما العبد هدف الثناء من حيث الظاهر والصورة ، فهكذا الأمور في الأزل ، وهكذا تسلسل الأسباب والمسبّبات بتقدير ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب . ولم يكن ذلك على اتفاق وبخت ؛ بل عن إرادة وحكمة وحكم حقّ وأمر جزم استعير له لفظ « القضاء » .
وقيل : إنّه كلمح بالبصر « 4 » ، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء الجزم بما سبق به التقدير ، فاستعير لترتّب آحاد المقدورات بعضها على بعض لفظ « القدر » « 5 » ، فخطر لبعض العباد أنّ القسمة لماذا اقتضت هذا التفصيل وكيف انتظم العدل مع هذا التفاوت والتفصيل ؟
وكان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة كنه هذا الأمر والاحتواء على مجامعه ، فألجموا عمّا لم يطيقوا خوض غمرته « 6 » بلجام المنع .
وقيل لهم : أسكتوا ، فما لهذا خلقتم لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون « 7 » ، وامتلأت مشكاة بعضهم نوراً مقتبساً من نور اللَّه في السماوات والأرض . وكان زيتهم أوّلًا صافياً يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فمسّته نار ، فاشتعل نور على نور « 8 » ، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم
هامش
( 1 ) - اردف : توالي ، واردف له : جاء بعده .
( 2 ) - الاطّراء : مجاوزة الحدّ في المدح .
( 3 ) - الوسخ : ما يعلو الجلد من قلّة التعاهد بالماء .
( 4 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ » .[ القمر : 50 ]
( 5 ) - زاد في المحجّة بعد هذا عبارات .
( 6 ) - الغمرة : الماء الكثير .
( 7 ) - الأنبياء : 23 .
( 8 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ » .[ النور : 35 ]