مطيّة « 1 » النفس ، والراجع إلى اللَّه هي النفس المطمئنّة « 2 » بطول العبادة والمعرفة . ولذلك قال تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
« 3 » ، فكذلك من استعمل شيئاً في غير طاعة اللَّه ، فقد كفر نعمة اللَّه في جميع الأسباب التي لابدّ منها لإقدامه على تلك المعصية .
[ 13 ] وصل « 4 »
فإن قلت : فقد رجع حاصل الكلام إلى أنّ للَّهحكمة في كلّ شيء ، وأنّه جعل بعض أفعال العباد سبباً لتمام تلك الحكمة ، وبلوغها غاية المراد منها ، وجعل بعض أفعالهم مانعاً من تمام الحكمة ، فكلّ فعل وافق مقتضى الحكمة ، حتّى انساقت الحكمة إلى غايتها ، فهو شكر . وكلّما خالف ومنع الأسباب من أن تنساق إلى الغاية المرادة بها ، فهو كفران . وهذا كلّه مفهوم ، ولكنّ الإشكال باق وهو أنّ فعل العبد المنقسم إلى ما يتمّم الحكمة وإلى ما يدفعها « 5 » ، هو أيضاً من فعل اللَّه . فأين العبد في البين ، حتّى يكون شاكراً مرّة وكافراً أخرى ؟ !
فاعلم ، أن تمام التحقيق في هذا تستمدّ من تيّار « 6 » بحر عظيم من علوم الأسرار « 7 » . وقد رمزنا فيما سبق إلى تلويحات بمباديها ونحن الآن نعبّر بعبارة وجيزة عن آخرها ، وغايتها يفهمها من عرف منطق الطير ويجحدها من عجز عن الإيضاح في السير فضلًا عن أن يحول في جوّ الملكوت جولان الطير .
فنقول : إنّ للَّهسبحانه في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع وتلك الصفة أعلى وأجلّ من أن تلمحها عين واضع اللغة ، حتّى يعبّر عنها بعبارة تدلّ على كنه جلالها وخصوص حقيقتها ، فلم يكن للعالم بها عبارة لعلوّ شأنها وانحطاط رتبة واضعي
هامش
( 1 ) - الدابّة التي تركب .
( 2 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » .[ الفجر : 27 - 28 ]
( 3 ) - الذاريات : 56 .
( 4 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 169 .
( 5 ) - في المحجّة : يرفعها .
( 6 ) - تار يتير تيراناً : البحر هاج ، والتيّار : موج البحر الهائج .
( 7 ) - في المحجّة : علوم المكاشفات .