اللغات عن أن يمتدّ طرفهم إلى مبادي إشراقها ، فانخفضت « 1 » عن ذروتها « 2 » أبصارهم ، كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس ، لا لغموض في نور الشمس . ولكن لضعف في أبصار الخفافيش ، فاضطرّ الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة توهّم من مبادي حقائقها شيئاً ضعيفاً جدّاً ، فاستعاروا لها اسم « القدرة » ، فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا : للَّهصفة هي القدرة ، عنها يصدر الخلق والاختراع ، ثمّ الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات .
ومصدر انقسام هذه الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل « الضرورة » التي سبقت عبارة المشيّة ، فهي توهّم منها أمراً مجملًا عند المتناطفين باللغات التي هي حروف وأصوات المتفاهمين بها ، وقصور لفظ المشيّة عن الدلالة على كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ القدرة ، ثمّ انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي غاية حكمتها وإلى ما يقف دون الغاية . وكان لكلّ واحد نسبة إلى صفة المشيّة لرجوعها إلى الإختصاصات التي بها يتمّ القسمة والاختلاف ، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة « المحبوب » « 3 » واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة « الكراهة » .
وقيل : إنّهما جميعاً داخلان في وصف المشيّة ، ولكنّ لكلّ واحد منهما خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبّة والكراهة منهم أمراً مجملًا عند طالبي الفهم من الألفاظ واللغات ، ثمّ انقسم عبادة الذين هم أيضاً من خلقه واختراعه إلى من سبقت له [ في ] المشيّة الأزليّة أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها . ويكون ذلك قهراً في حقّهم بتسليط الدواعي والبواعث وإلى من سبقت لهم في الأزل إلى أن يستعملهم بسياق حكمته إلى غايتها في بعض الأمور ، فكان لكلّ واحد من الفريق نسبة إلى المشيّة خاصة ، فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة بهم عبارة « الرضا » ، واستعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة « الغضب » . وظاهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها ،
هامش
( 1 ) - انخفض : انحطّ بعد العلوّ .
( 2 ) - الذروة جمع ذرى وذرى : العلوّ والمكان المرتفع ، وأعلى الشيء .
( 3 ) - في المحجّة : المحبّة .