فإذا عرفت هذا تعجّبت من قوم يقادون إلى الجنّة بالسلاسل ، فما من موفّق إلّاوهو مقود إلى الجنّة بسلاسل الأسباب وهو تسليط العلم والخوف عليه ، وما من مخذول إلّاوهو مقود إلى النار بالسلاسل وهو تسليط الغفلة والأمن والغرور عليه ، فالمتّقون يساقون إلى الجنّة قهراً والمجرمون يقادون إلى النار قهراً ولا قاهر إلّااللَّه الواحد القهّار ولا قادر إلّاالملك الجبّار .
وإذا انكشف الغطاء عن أعين الغافلين ، فشاهدوا الأمر ، كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي :
« لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
« 1 » . ولقد كان الملك للَّهالواحد القهّار ، كلّ يوم لا ذلك اليوم على الخصوص ولكن الغافلين لا يسمعون هذا النداء إلّاذلك اليوم ، فهو نبأ عمّا يتجدّد « 2 » للغافلين من كشف الأحوال ، حيث لا ينفعهم الكشف ، فنعوذ باللَّه من الجهل والعمى ، فإنّه أصل أسباب الهلاك .
[ 12 ] فصل « 3 »
اعلم ، أنّ اللَّه عزّوجلّ ما خلق شيئاً في العالم إلّاوفيه حكمة وتحت الحكمة مقصود . وذلك المقصود هو المحبوب وتلك الحكم منقسمة إلى جليلة وخفيّة :
أمّا الجليلة ؛ فكالحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الليل والنهار ، فيكون النهار معاشاً والليل لباساً « 4 » ، فيتيسّر الحركة عند الإبصار والسكون عند الاستتار ، وكالحكمة في نزول الأمطار أن ينشقّ الأرض بأنواع النبات لتكون مطعماً للناس ومرعى للأنعام « 5 » ، وكالحكمة في سائر الكواكب أن تكون زينة للسماء « 6 » ليلتذّ العين بالنظر إليها .
وهذه من جملة الحكم الجليّة فيما ذكر التي انطوى عليها القرآن لا كلّ الحكم فيها ، بل فيها
هامش
( 1 ) - غافر : 16 .
( 2 ) - في المحجّة : فهو بناء على عمى يتجدّد . . . .
( 3 ) - راجع : المحجّة ، ج 7 ، ص 160 .
( 4 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً » .[ النبأ : 10 - 11 ]
( 5 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا . . .مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » . *[ عبس : 25 - 32 ]
( 6 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ » .[ الصّافات : 6 ]