النار هدى ولعلّك من سرادقات العزّ تنادى بما نودي به موسى : إنّي أنا ربّك الأعلى « 1 » .
فلمّا سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه وأنّه مخنّث في التشبيه والتنزيه ، فاشتعل قلبه ناراً من حدّة غضبه على نفسه لمّا رآها بعين النقص . ولقد كاد زيته الذي في مشكاة قلبه يضيء ولو لم تمسسه نار ، فلمّا نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته ، فأصبح نوراً على نور « 2 » .
فقال له العلم : اغتنم الآن هذه الفرصة وافتح بصرك ، فلعلّك تجد على النار هدى ، ففتح بصره ، فانكشف له القلم الإلهي . فإذا هو كما وصفه العلم في التنزيه ما هو من خشب ولا قصب ولا له رأس ولا ذنب ، وهو يكتب على الدوام في قلوب البشر كلّهم أصناف العلوم .
وكان له في كلّ قلب رأس ولا رأس له ، فقضى منه العجب وقال : نعم الرفيق العلم - جزاه اللَّه عنّي خيراً - إذ الآن ظهر لي صدق أنبائه من أوصاف القلم ، فإنّي أراه قلماً لا كالأقلام ، فعند هذا ودّع العلم وشكوه وقال : طال مقامي عندك ومراودتي لك وأنا عازم على أن أسافر إلى حضرة القلم ، فأسأله عن شأنه .
وسافر إليه وقال : أيّها القلم ، مالك تخطّ على الدوام في القلوب من العلوم ما يبعث به الإرادات إلى إشخاص « 3 » القدرة وصرفها إلى المقدورات ؟
فقال : أفنسيت ما رأيت في عالم الملك والشهادة وسمعته من جواب القلم ، إذ سألته فأحالك على اليد ؟
قال : لم أنس ذلك .
قال : فجوابي مثل جوابه .
قال : كيف وأنت لا تشبهه ؟ !
هامش
( 1 ) - إشارة إلى قوله تعالى : «وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» . [ طه : 9 - 14 ]
( 2 ) - إشارة إلى قوله تعالى :« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ ». [ النور : 35 ]
( 3 ) - أشخصه : أزعجه .