بعد ما مرّ : وأمّا شعب هذه الدعائم ، فاعلم أنهّ جعل لكلّ دعامة منها أربع شعب من الفضائل ، تتشعّب منها وتتفرّع عليها فهي كالفروع لها والأغصان .
أمّا شعب الصبر الّذي هو عبارة عن ملكة العفّة فأحدها الشوق إلى الجنّة ، ومحبّة الخيرات الباقيّة ، الثاني الشفق وهو الخوف من النار ، وما يؤدّي إليها ، الثالث الزهد في الدنيا وهو الإعراض بالقلب عن متاعها وطيّباتها ، الرابع ترقّب الموت وهذه الأربع فضائل منبعثة عن ملكة العفّة لأنّ كلّا منها يستلزمها .
وأمّا شعب اليقين ، فأحدها تبصرة الفطنة وإعمالها ، الثاني تأوّل الحكمة وهو تفسيرها ، الثالث موعظة العبرة ، الرابع أن يلحظ سنّة الأوّلين حتّى يصير كأنهّ فيهم ، وهذه الأربع هي فضائل تحت الحكمة كالفروع لها ، وبعضها كالفرع للبعض .
وأمّا شعب العدل فأحدها غوص الفهم أي الفهم الغائص فأضاف الصفة إلى الموصوف ، وقدّمها للاهتمام بها ، ورسم هذه الفضيلة أنّها قوّة إدراك المعنى المشار إليه بلفظ أو كناية أو إشارة ونحوها ، الثاني غور العلم وأقصاه وهو العلم بالشيء كما هو تحقيقه وكنهه ، الثالث نور الحكم أي تكون الأحكام الصادرة عنه نيّرة واضحة لا لبس فيها ولا شبهة ، الرابع ملكة الحلم وعبّر عنها بالرسوخ لأنّ شأن الملكة ذلك ، والحلم هو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب ، فيمن يجني عليه جناية يصل مكروهها إليه .
واعلم أنّ فضيلتي جودة الفهم وغور العلم ، وإن كانتا داخلتين تحت الحكمة وكذلك فضيلة الحلم داخلة تحت ملكة الشجاعة إلّا أنّ العدل لمّا كان فضيلة موجودة في الأصول الثلاثة كانت في الحقيقة هي وفروعها شعبا للعدل . بيانه أنّ الفضائل كلّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط وتفريط ، وتوسّطها ذلك هو معنى كونها عدلا فهي بأسرها شعب له وجزئيات تحته .
وأمّا شعب الشجاعة المعبّر عنها بالجهاد ، فأحدها الأمر بالمعروف ، والثاني النهي عن المنكر ، والثالث الصدق في المواطن المكروهة ، ووجود الشجاعة في هذه الشعب الثلاث ظاهر ، والرابع شنآن الفاسقين ، وظاهر أنّ بغضهم مستلزم لعداوتهم في
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 340
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٤٠