وأصبحت الشمس المنير ضياؤها * لقتل عليّ لونها لون دلهم ( 3 ) وظلّ له أفق السماء كآبة * كشقّة ثوب لونها لون عندهم ( 3 ) وناحت عليه الجنّ إذ فجعت به * حنينا كثكلى نوحها بترنّم
وأضحى إليها الجود والنبل مقتما ( 3 ) * وكان التقى في قبره المتهدّم
وأضحى التقى والخير والحلم والنهى * وبات العلى في قبره المتهدّم
يكاد الصفا والمستجار كلاهما * يهدّا وبان النقص في ماء زمزم
لفقد عليّ خبر من وطئ الحصى * أخا العالم الهادي النّبيّ المعظّم
فالمعنى عند ذلك أنّ السماوات والأرض والملائكة والجنّ والإنس قد بكت ورثته في تلك الليلة ، وسمعنا في الهواء جلبة عظيمة وتسبيحا وتقديسا ، فعلمنا أنّها أصوات الملائكة ، فلم تزل كذلك حتّى بدا الصباح ، فارتفعت الأصوات فخرجنا وإذا بصائح في الهواء وهو يقول :
يا للرجال لعظم هول مصيبة * قدحت فليس مصابها بالهازل
والشمس كاسفة لفقد إمامنا * خير الخلائق والإمام العادل
يا خير من ركب المطيّ ومن مشى * فوق الثرى من حافي أو ناعل
يا سيّدي ولقد هددت قواءنا * والحقّ أصبح خاضعا للباطل
قال محمّد بن الحنفيّة : ثم أخذنا في جهازه ليلا وكان الحسن - عليه السلام - يغسلّه والحسين - عليه السلام - يصبّ الماء عليه ، وكان - عليه السلام - لا يحتاج إلى من يقلبّه ، بل كان يتقلّب كما يريد الغاسل يمينا وشمالا ، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر ، ثمّ نادى الحسن - عليه السلام - بأخته زينب وأمّ كلثوم وقال : يا أختاه هلمّي بحنوط جدّي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - ، فبادرت زينب
هامش
( 3 ) 21 - « الدلهم » المظلم .
( 3 ) 22 - « العندم » خشب نبات يصبغ به .
( 3 ) 23 - « قتم وجهه » تغيّر واسودّ .