ثمّ قال : أيّها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني وخفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم . قال : فبكى الناس عند ذلك بكاء شديدا ، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه ، فقام إليه حجر بن عديّ الطائيّ وقال :
فيا أسفى على المولى التقيّ * أبو الأطهار حيدرة الزكيّ
قتله كافر حنث زنيم * لعين فاسق نغل شقيّ
فيلعن ربّنا من حاد عنكم * ويبرء منكم لعنا وبيّ
لأنّكم بيوم الحشر ذخري * وأنتم عترة الهادي النّبيّ
فلمّا بصر به وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة منّي ، فما عساك أن تقول فقال : واللّه يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا وأضرم لي النار وألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك .
فقال : وفّقت لكلّ خير يا حجر ، جزاك اللّه خيرا عن أهل بيت نبيّك . ثمّ قال : هل من شربة من لبن فأتوه بلبن في قعب ، فأخذه وشربه كلهّ ، فذكر الملعون ابن ملجم وأنهّ لم يخلّف له شيئا ، فقال - عليه السلام - : « وكان أمر اللّه قدرا مقدورا » اعلموا أنّي شربت الجميع ولم أبق لأسيركم شيئا من هذا ، ألا وإنهّ آخر رزقي من الدنيا ، فباللهّ عليك يا بنيّ إلّا ما أسقيته مثل ما شربت ، فحمل إليه ذلك فشربه .
قال محمّد بن الحنفيّة - رضي اللّه عنه - : لمّا كانت ليلة إحدى وعشرين وأظلم الليل وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودّعهم ، ثمّ قال لهم : اللّه خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل ، وأوصاهم الجميع منهم بلزوم الإيمان والإديان والأحكام الّتي أوصاه بها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - فمن ذلك ما نقل عنه - عليه السلام - أنهّ أوصى به الحسن والحسين - عليهما السلام - لمّا ضربه
هامش
( 316 ) « النغل » المفسد في الأرض .