وهذا معنى حسن ، لكنّ الأوّل أحسن . « وبالصالحات يعمر الفقه » لأنّ العمل يصير سببا لزيادة العلم ، كما أنّ من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلّا ما حوله ، وكلّما مشى ينتفع بالضوء ويرى ما لم يره ، كما ورد : « من عمل بما علم ورثّه اللّه علم ما لم يعلم » . ( 459 ) وقد مرّ أنّ العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلّا ارتحل عنه ، وقيل : الفقرتان مبنيّتان على أنّ المراد بالعمل الصالح ولاية أهل البيت - عليهم السّلام - كما ورد في تأويل كثير من الآيات ، وظاهر أنّ بالايمان يستدلّ على الولاية ، وبها يعمر الفقه لأخذه عنهم . « وبالفقه يرهب الموت » أي كثرة العلم واليقين سبب لزيادة الخشية كما قال - تعالى - : إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عبِادهِِ الْعُلَماءُ ( 460 ) فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت ، أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له ولما بعده ، فقوله « وبالموت تختم الدنيا » كالتعليل لذلك لأنّ الدنيا الّتي هي مضمار العمل ، تختم بالموت ، فلذا يرهبه لحيلولته بينه وبين العمل والاستعداد للقاء اللّه ، لا لحبّ الحياة واللذّات الدنيويّة ، والمألوفات الفانية . « وبالدنيا تجوز القيامة » هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق ، أي إنّما ترهب الموت لأنّ بالدنيا والأعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة وتخرج عنها إلى نعيم الأبد ، بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز ، وفي بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الانسان ، وفي بعضها « يجاز » على بناء المجهول ، وهو أظهر ، وفي بعضها « يحاز » بالحاء المهملة من « الحيازة » أي تحاز مثوبات القيامة . وعلى التقادير فالوجه فيه أنّ كلّ ما يلقاه العبد في القيامة فإنّها هو نتائج عقائده وأعماله وأخلاقه المكتسبة في الدنيا ، فبالدنيا تجاوز القيامة أو تحاز . ومنهم من قرأ « تحوز » بالحاء المهملة ، أي بسبب الدنيا وأعمالها تجمع القيامة الناس للحساب والجزاء ، فإنّ القيامة
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 367
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٦٧
هامش
( 459 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 44 .
( 460 ) - الفاطر : 28 .