ولا يخفى على اللبيب أنهّ بعد الإغماض عن الأدلّة القاهرة والنصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التأويل ، ولا يستقيم الحمل على ظاهره إلّا على القول بأنّ إمامته - عليه السلام - كان مرجوحا وأنّ كونه وزيرا أولى من كونه أميرا ، وهو ينافي القول بالتفضيل الّذي قال به ، فإنهّ - عليه السلام - إذا كان أحقّ بالإمامة وبطل تفضيل المفضول على ما هو الحقّ واختاره أيضا ، كيف يجوز للنّاس أن يعدلوا عنه إلى غيره وكيف يجوز له - عليه السلام - أن يأمر الناس بتركه والعدول عنه إلى غيره مع عدم ضرورة إلى ترك الإمامة ، ومع وجود الضرورة كما جاز ترك الإمامة الواجبة بالدليل جاز ترك الإمامة المنصوص عليها ، فالتأويل واجب على التقديرين ، ولا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه ، ورجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان ، على أنّ للظّاهر للمتأمّل في أجزاء الكلام حيث علّل الأمر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب وتنكّر المحجّة ، وإنهّ إن أجابهم حملهم على محض الحقّ هو أنّ السبب في ذلك وجود المانع دون عدم النصّ وأنهّ لم يكن متعيّنا للإمامة أو لم يكن أحقّ وأولى به ونحو ذلك . ولعلّ الوجه في قوله - عليه السلام - « لعلّي أسمعكم وأطوعكم » هو أنهّ إذا تولّى الغير أمر الإمامة ولم تتمّ الشرائط في خلافته - عليه السلام - لم يكن - عليه السلام - ليعدل عن مقتضى التقيّة بخلاف سائر الناس حيث يجوز الخطاء عليهم .
وأمّا قوله - عليه السلام - « فأنا لكم وزيرا ، خير لكم منّي أميرا » فلعلّ المراد بالخيريّة فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا فإنهّ - عليه السلام - على تقدير الإمامة وبسط اليد يجب عليه العمل بمحض الحقّ وهو يصعب على النفوس ولا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فإنّ الوزير يشير بالرأي مع تجويز التأثير في الأمير وعدم الخوف ونحوه من شرائط الأمر بالمعروف . ولعلّ الأمير الّذي يولوّنه الأمر يرى في كثير من الأمور ما يطابق آمال القوم ويوافق أطماعهم ولا يعمل بما يشير به الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم . فالحاصل أنّ ما قصدتموه من بيعتي لا يتمّ لكم ، ووزارتي أوفق لغرضكم ، والغرض إتمام الحجّة كما عرفت . ( 362 )
هامش
( 362 ) - بحار الأنوار ، الطبعة القديمة ، ج 8 ، ص 397 ، ط كمپاني وص 372 ، ط تبريز .