باستقبال أمور لها وجوه وألوان لا يصبرون عليها وأنهّ بعد البيعة لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه ولا يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب بل يقيمهم على المحجّة البيضاء ويسير فيهم بسيرة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - . « وإنّ الآفاق قد أغامت » أي أظلمت بغيم سير أرباب البدع ، وخفاء شمس الحقّ تحت سحاب شبه أهل الباطل . و « المحجّة » جادّة الطريق . « وتنكّرها » تغيّرها وخفاؤها . قوله - عليه السلام - « ركبت بكم » أي جعلتكم راكبين . وتركهم إياّه عدم طاعتهم له واختيار غيره للبيعة حتّى لا تتمّ شرائط الخلافة لعدم الناصر كقوله - عليه السلام - في الشقشقيّة : « لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها » . وليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجّة وإبطال لما علم - عليه السلام - من ادّعائهم الإكراه على البيعة كما فعل طلحة والزبير بعد النكث ، مع أنّ المرء حريص على ما منع والطبع نافر عمّا سورع إلى إجابته . و « الوزير » من يحمل عن الملك ثقل التدبير . وقال ابن أبي الحديد - كما هو دأبه أن يأتي بالحقّ ثمّ عنه يحيد - : هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره ويقولون : إنهّ - عليه السلام - لم يكن منصوصا عليه بالإمامة ، وإن كان أولى النّاس بها لأنهّ لو كان منصوصا عليه لما جاز أن يقول : دعوني والتمسوا غيري . ثمّ ذكر تأويل الإماميّة بأنّ الخطاب للطالبين منه - عليه السلام - أن يسير فيهم بسيرة الخلفاء ويفضّل بعضهم على بعض في العطاء ، أو بأنّ الكلام خرج مخرج التضجّر والتسخّط لأفعال الّذين عدلوا عنه - عليه السلام - قبل ذلك للأغراض الدنيويّة ، أو بأنهّ خرج مخرج التهكّم كقوله - تعالى - : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 360 ) أي بزعمك . ثمّ قال : واعلم أنّ ما ذكروه ليس ببعيد لو دلّ عليه دليل ، فأمّا إذا لم يدلّ عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره . ( 361 )
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 307
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٠٧
هامش
( 360 ) - الدخان : 49 .
( 361 ) - شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 7 ، ص 33 - 35 ، ط بيروت .