وكذا معارضته لقوله تعالى : « مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » « 1 » بقوله : « الملك الديّان . لك العبادة وبك المستعان » فإنّه غفل عن أنّه ليس المقصود في البيان مجرّد أنّ اللَّه ملك ديّان ، بل المقصود ذكر يوم الدين ، وتثبيت المعرفة به ، والرهبة من نكاله ، والرغبة في جزائه ، وبيان عظمة ملكوت اللَّه وإحاطة سلطانه القاهر بشؤون يوم الدين .
كما أنّه ليس المقصود مجرّد بيان أنّ له العبادة وبه المستعان ، بل المقصود تلقين المؤمن بأن يخضع للَّهبالعمل ، والاعتراف بالطاعة للَّهدون غيره ، ويستكين له بالاستعانة والالتجاء إليه تعالى وحده .
وكذا معارضته لقوله تعالى : « اهْدِنَا الصِّرطَ الْمُسْتَقِيمَ » « 2 » بقوله : « اهدنا صراط الإيمان » مع جهله بأنّه ليس المقصود هو مجرّد الهداية إلى الإيمان ، بل الصراط الممجّد باستقامته في الإيمان ، والعلم ، والأخلاق ، والعبادات والمعاملات ، والسياسة ، والرئاسة ، والكلام ، والكتابة ، والتأليف ، وجميع لوازم الإنسان في المدنية والاجتماع ، وما يقوم بنعمته في حياته الأولى ومعاده .
وكذا قوله : « إنّ ما بعد الصراط المستقيم حشو وتحصيل حاصل » وقد غفل عن أنّ السلوك في هذا الصراط الفاضل هو روح الحياة الحقيقية ، وجامع السعادة بالنعم ، وشأن الحكيم أن يرغّب إليه ، وينشّط طالبيه بإيضاح مجده وقبح ضدّه فأوضح القرآن مجده ، ومجّد سالكيه بالاستقامة ، وشرّف اختصاصه بالسعداء بالنعمة ، دون الناكبين عنه ، المتلوّثين بخساسة التعرّض لغضب اللَّه ، والمتدنّسين برجاسة الضلال ، وهذه المطالب العالية من أوّل ما يلزم بيانه على الهادي الحكيم .
هامش
( 1 ) الفاتحة 1 : 4 و 5
( 2 ) الفاتحة 1 : 6