وقدراً لازماً ، إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والأمر والنهي والزجر من اللَّه ، وسقط معنى الوعد والوعيد ، فلم تكن لائمةٌ للمذنب ، ولا محمدةٌ للمحسن ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان ، وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان وقدرية هذه الامّة ومجوسها ، إنّ اللَّه تبارك وتعالى كلّف تخييراً ، ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً ، ولم يملِّك مفوّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، فأنشأ الشيخ يقول :
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم النجاة من الرحمن غفرانا
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً * جزاك ربّك بالإحسان إحسانا « 1 »
الرواية الشريفة من أحسن الروايات الواردة في المقام ، ولقد بيّنت عمدة ما في مسألتنا - الجبر والاختيار - من الغوامض والنكات المهمّة :
الأولى : تقسيم القضاء والقدر إلى قسمين : حتميّين وغير حتميّين ، وأنّ الذي تعلّق منهما بالأفعال هو القسم الثاني ، غير الموجب لاضطرار العباد في أفعالهم وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير معنى القضاء والقدر إن شاء اللَّه تعالى « 2 » .
الثانية : تحقّق الملازمة بين كون الأفعال مقضيّاً عليها بالقضاء الحتم ، وبين بطلان الثواب والعقاب ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، ولغوية المدح والذمّ لوضوح عدم كون المحسن فاعل الفعل الحسن ، والمذنب فاعل الفعل القبيح .
هامش
( 1 ) الوافي 1 : 535 / ب 54 ح 1 ، الكافي 1 : 155 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح 1
( 2 ) في ص 97 وما بعدها