الرابع : الهداية بمعنى توجيه مقتضيات الخير والعبودية على نحو غير منافٍ لاختياره ، كتولّد العبد في الجامعة الفاضلة ومن أبوين تقيّين ، أو فقدان أسباب المعصية وأمثالها ممّا يكون دخيلًا في توجّه العبد إلى الخيرات وإعراضه عن الشرور ، لا كدخل العلل التامّة بل العلل المعدّة في معاليلها .
فإذا عرفت المقدّمة تظهر لك منها نتيجتان :
الأولى : ارتفاع الاختلاف عمّا يتراءى عن بعض الآيات في بادئ النظر حيث دلّ بعضها على أنّ اللَّه تعالى هدى الناس أجمعين ، ودلّ بعضها الآخر على أنّه إنّما هدى البعض دون بعض ، فإنّ ما دلّ على هداية جميع الناس ناظرة إلى المعنى الثاني ، وما دلّ على اختصاصها ببعض دون بعض ناظرة إلى المعنى الرابع .
الثانية : ما نحن بصدده من الجواب عن الآيات الظاهرة في استناد الهداية والضلالة إلى مشيّته ، وهي تعلّق المشيّة بتوجيه تلك المقتضيات إلى العبد إن شاء هدايته وسلبها عنه إن شاء ضلالته ، وذلك من دون منافاة بين هذا التعلّق واختيار العبد .
السادس :
الآيات التي ادّعيت صراحتها في اضطرار العباد في أفعالهم وتروكهم ، كقوله تعالى في سورة الأنفال : « وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى » « 1 » .
والجواب عنه بالحلّ أوّلًا ، وبالنقض ثانياً .
أمّا الحلّ فبالنظر إلى مورد نزول الآية الشريفة ، حيث إنّها نزلت في غزوة بدر على ما عن المفسّرين ، مستندين فيه إلى الروايات الواردة في المقام ، منها ما نقله الفيض في الصافي عن القمّي « أنّ قريشاً لمّا جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال :
خذ قبضة من التراب فارمهم بها ، فقال لعلي ( عليه السلام ) أعطني قبضة من حصاة
هامش
( 1 ) الأنفال 8 : 17