الكلام في الاستدلال بالروايات الدالّة على الاختيار
إنّ الروايات الدالّة على إسناد الأفعال إلى العباد على أقسام ، منها : ما يكون ظاهراً فيه ، ومنها : ما يكون نصّاً وصريحاً في أنّ الفعل الصادر من العباد ليس بالإجبار ولا بالاضطرار ، بل على نحو الأمر بين الأمرين ، ومنها : ما يدلّ على نفي الظلم عنه تعالى .
وليعلم أيضاً أنّا لا نورد عن كلّ واحد من هذه العناوين إلّاما يكون نموذجاً للعنوان كما فعلناه في الآيات ، لأنّ استقصاء جميعها يحتاج إلى تأليف مجموعة مستقلّة مفصّلة .
أمّا القسم الأوّل :
ففي الوافي نقلًا عن الكافي مرفوعاً ، وغيرهما من كتب الحديث بعضها مرسلًا « 1 » وبعضها مسنداً « 2 » ، والعبارة عن الكافي على ما نقله في الوافي قال : كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه ، ثمّ قال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللَّه وقدر ؟ فقال له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أجل يا شيخ ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن وادٍ إلّابقضاء من اللَّه وقدر ، فقال له الشيخ : عند اللَّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، فقال له : مَه يا شيخ ، فواللَّه لقد عظّم اللَّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامكم وأنتم مقيمون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ، ولا إليه مضطرّين ، فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ فقال له : وتظنّ أنّه كان قضاءً حتماً
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 5 : 95 / 19
( 2 ) التوحيد ( للصدوق ) : 380 / 28