بالنقض بعلمه تعالى بأفعال نفسه ، بتقريب : أنّ العلم بصدور فعل لو كان علّة لصدوره بغير اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في أفعاله ، لأنّها معلومة له قبل وقوعها ، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك ، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً .
وبما ذكرناه من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنّه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد ، كقوله تعالى :
« تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ » « 1 » الخ ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلّا لزم الكذب عليه تعالى ، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً ، وجه الظهور : أنّ الإخبار عن شيء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده ، بل بوجوده الاختياري ، فلا يوجب انقلابه عمّا هو عليه ، وإلّا لزم الكذب ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل اللَّه سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك ، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل اللَّه أيضاً ، والأشعري لا يلتزم به ، وسيجئ التعرّض لذلك مفصّلًا عند البحث عن الآيات إن شاء اللَّه تعالى « 2 » .
الثالث : وهو عمدة ما استدلّوا به لإثبات مطلوبهم ، وتقريره كما يظهر من كلماتهم أخذاً من الفلاسفة « 3 » أن يقال : إنّ الفعل الصادر عن العبد إمّا أن يكون على نحو الاضطرار والوجوب فهو المطلوب ، أو يكون مسبوقاً بالاختيار والإرادة ، بحيث
هامش
( 1 ) المسد 111 : 1 - 3
( 2 ) لاحظ ص 82 وما بعدها
( 3 ) راجع نقد المحصّل : 325 ، كشف المراد 308 - 309