نيّة السوء والحسن ، وأنّ معناها على الظاهر : إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من النيّات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به اللَّه ، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات .
وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل : إنّ في نفسي كلاماً لا أريد إبرازه .
وفيه : أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتّبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز ، هذا مضافاً إلى أنّا لا ننكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي ، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما سيجئ بيانه « 1 » ، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير العلم ونحوه من الأمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي ، وليس في شيء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك ، فضلًا عن الدلالة .
الوجه الرابع : هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة ، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثمّ إلقائها إلى المخاطب ، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصّة بالألفاظ ، كالخطابة والشعر وغيرهما ، فهذا المرتّب والمنظّم في النفس أوّلًا هو المقصود من الكلام النفسي .
والجواب عنه : أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختصّ بالكلام ، بل كلّ فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقّف صدوره منه على تصوّره والعلم به وترتيبه ، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له فردان : فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج ، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل الخارجي ، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي ، ولا نظن أن
هامش
( 1 ) بعد قليل