قيل في تفسيره : « إنّ كمال الإنسان في سلوكه إلى الحقّ منوط باستكمال قوّتيه ؛ أمّا العلميّة ، فبحسب إصابة الحقّ في الأنظار الدّقيقة الّتي هي أدقّ من الشّعر
في المعالم ( « 1 » ) الإلهيّة ؛ وأمّا العمليّة ، فبحسب توسّط القوّة الشّهويّة والغضبيّة والفكريّة في الأعمال لتحصيل ملكة العدالة ، والتّوسّط الحقيقي بين الأطراف المتضادّة بمنزلة الخلوّ عنها ، والخلوّ عن المتضادّات منشأ الخلاص من الجحيم والالتحاق بالملائكة ، وهي أحدّ من السّيف ؛ فللصراط المستقيم في الدّنيا وجهان : أحدهما أدقّ من الشّعر ، والآخر أحدّ من السّيف ، وهما مظلمان لا يهتدي إليهما إلّا من جعل الله له نورذ يمشي به في النّاس » . ( « 2 » )
ولهذا ورد في الخبران « أنّ الصراط يظهر يوم القيامة للأبصار على قدر المارّين عليه ، فيكون دقيقذ في حقّ بعض وجليّذ في حقّ آخرين ، وأنّهم يعطون نورهم على قدر أعمالهم ، فمنهم من يعطي نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ، ومنهم من يعطي نوره أصغر من ذلك ، ومنهم من يعطي نوره مثل النخلة بيمينه ، ومنهم من يعطي نوره أصغر من ذلك ، حتّى يكون آخرهم رجلًا يعطي نوره على أبهام قدمه ، فيضيء مرّةً ويطفئ مرّةً ، فإذا أضاء قدام قدمه مشى ، وإذا طفئ قام » . ( « 3 » )
ويصدّق هذا الخبر قوله تعالى : «
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
» ، ( « 4 » )
والسّعي مشيٌ ، وما ثمّة طريق إلّا الصّراط ، وإنّما قال : « بِأَيمانِهِمْ » ، لأنّ المؤمن في الآخرة لا شمال له ، كما أنّ الكافر لا يمين له .
وبالجملة ، النّور نور القوّة النّظريّة ، وبحسبه يمشي الإنسان طريق الحقّ بقوّته
هامش
( 1 ) - في د : العالم .
( 2 ) - الحكمة المتعالية : 5 / 285 ، باب 11 ، فصل 19 .
( 3 ) - المستدرك : 4 / 590 ؛ المعجم الكبير : 9 / 358 ؛ وراجع : الفتوحات المكّيّة : 1 / 316 .
( 4 ) - التحريم : 8 .