فصل [ كيفية المعجزات بالنسبة إلى درجات الناس ]
قال بعض العلماء ما حاصله ( « 1 » ) : « إنّ أشرف معجزات الأنبياء وأفضلها العلم والحكمة وهما للخواصّ ، وخوارق العادات للعوامّ البله ؛ وأمّا أهل الشّغب والعناد منهم فلا ينفعهم إلّا السّيف ، وإلى الثّلاثة أشار الله سبحانه بقوله : «
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
» . ( « 2 » )
فأسرار الكتاب والميزان وهو البرهان العقليّ ، بأقسامه للخواصّ الّذين لهم قريحة نافذة وفطنة قويّة ، وقد خلّى باطنهم عن تقليد وتعصّب لمذهب موروث ومسموع ، فإنّهم يؤمنون بالنّبيّ بميزان العلم والمعرفة والحكمة على قرب ، ولا يحتاجون إلى خوارق العادات .
وأمّا الّذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق أو كانت لهم ذلك ولكن ليست لهم داعية الطّلب بل شغلهم الصّناعات والحرف ، وليس فيهم أيضاً داعية الجدل ، وتَحَذْلُقِ ( « 3 » ) المتكايسين في الخوض في العلم مع قصور فهمهم عنه ، فإنّهم يعالجون بالموعظة وإظهار المعجزات ، ثمّ يحالون على ظواهر الكتاب ، ليس لهم التّجاوز عنها إلى أسراره .
والحديد لأهل الجدل والشّغب الّذين يتّبعون ما تشابه من الكتاب مع عدم أهليّتهم له ابتغاء الفتنة ، فإنّهم يتلطّف بهم أوّلًا ويجادل معهم بالّتي هي أحسن
بأخذ الأصول المسلّمة عندهم واستنتاج الحقّ منها بالميزان القسط ، فإن لم ينفعهم فالحديد الّذي فيه بأس شديد .
هامش
( 1 ) - لم أجد قائله .
( 2 ) - الحديد : 25 .
( 3 ) - أظهر أو ادّعى الحذق .