ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ مَا كَانَ ، وَعِلْمَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ ، قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا وَاللهِ هُوَ الْعِلْمُ ، قَالَ : إِنَّهُ لَعِلْمٌ وَما هو بِذَاكَ ، قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، فَأَيُّ شَيْءٍ الْعِلْمُ ؟ قَالَ : مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ والنّهَارِ الْأَمْرُ بَعْدِ الْأَمْرِ والشّيْءُ بَعْدَ الشّيْءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » . ( « 1 » )
وفي رواية أخرى : « مَا يَحْدُثُ بِاللَّيْلِ والنّهَارِ يَوْماً بِيَوْمٍ وَسَاعَةً بِسَاعَةٍ » . ( « 2 » )
ولعلّ مراده ( ع ) والعلم عند الله ، إنّ العلم ليس ما يحصل من السّماع وقراءة الكتب وحفظها ، فإنّ ذلك تقليد ، وإنّما العلم ما يفيض من الله سبحانه على قلب المؤمن يومذ فيومذ وساعةً بعد ساعةٍ ، فينكشف به من الحقائق ما يطمئنّ به النّفس وينشرح له الصّدر ويتقوّم به العالم ، كأنّه ينظر إليه ويشاهده .
قال ابن ميثم - رحمه الله - في شرح قول أمير المؤمنين ( ع ) : « إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ
ذِي عِلمٍ » ( « 3 » ) :
« إنّ ذلك إشارة إلى وساطة تعليم الرّسول ( ص ) ، وهو إعداد نفسه على طول الصّحبة بتعليمه وإرشاده إلى كيفيّة السّلوك وأسباب التّطويع ( « 4 » ) والرّياضة ، حتّى استعدّ للانتقاش بالأمور الغيبيّة والإخبار عنها ، وليس التّعليم هو إيجاد العلم ، وإن كان أمراً قد يلزم إيجاد العلم » . ( « 5 » )
فتبيّن إذن أنّ تعليم رسول الله ( ص ) له لم يكن مجرّد توقيفه على الصّور الجزئيّة ، بل
هامش
( 1 ) - الكافي : 1 / 239 - 240 ، كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر . . . ، ح 1 .
( 2 ) - الكافي : 1 / 225 ، كتاب الحجّة ، باب أنّ الأئمّة ورثوا علم النبيّ وجميع الأنبياء ، ح 4 .
( 3 ) - نهج البلاغة : 186 ، الخطبة 128 .
( 4 ) - التسهيل .
( 5 ) - شرح نهج البلاغة ( لابن ميثم البحراني ) : 2 / 563 .