وكذلك الإنسان الّذي يتولّى بنفسه الأفاعيل المختلفة ، فإنّ هذا نوع من العدول والاعوجاج عن العدل ، سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنّه ليس وحدانيّ الصّفة فلم يكن وحدانيّ الفعل ؛ فلذلك تراه يطيع الله تارةً ويعصيه تارةً أخرى لاختلاف دواعيه وصفاته ، وذلك غير ممكن في طباع الملائكة ، بل هم مجبولون على الطّاعة ، لا مجال للمعصية في حقّهم ، فلا جرم «
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
» ، «
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
» . ( « 1 » )
والراكع منهم راكع أبداً ، والسّاجد منهم ساجد أبداً ، والقائم منهم قائم أبداً ، وطاعتهم لله ( عز وعجل ) - من حيث لا مجال للمخالفة فيهم - يمكن أن يشبه بطاعة أطرافك لك ، فإنّك مهما جزمتَ الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن الصّحيح تردّد ولا اختلاف في طاعتك مرّةً ومعصيتك أخرى ، بل كأنّه منتظر لأمرك ونهيك ، ينفتح وينطبق متّصلًا بإشارتك ؛ فهذا يشبهه من وجه ولكن يخالفه من وجه ، إذ الجفن لا علم له بما يصدر عنه من الحركة فتحاً وإطباقا ، والملائكة أحياء ، عالمون بما يفعلون .
فصل [ ملائكة الموكّلة بالإنسان ]
لمّا كانت الأجسام الأرضيّة منحصرة في الجماد والنّبات والحيوان والإنسان ، وكلّ لاحق من الأربعة مشتمل على سابقه وزيادة أمر ، فإنّ النّبات جماد مع زيادة معنى لحفظه التّركيب مع قوّة نامية ، والحيوان نبات مع زيادة معنى لنموّه في الأقطار مع حسّ وحركة ، والإنسان حيوان مع زيادة معنى لإحساسه وحركته مع نطق وإدراك أمور كلّيّة ؛ فالملائكة الموكّلة بكلّ منها موجودة في الإنسان مطيعة إيّاه خاضعة له ، لاشتماله
هامش
( 1 ) - التحريم : 6 ؛ الأنبياء : 20 .