تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعارف — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
بفعلنا واختيارنا ، وإلّا لتسلسلت القُدر والإرادات إلى غير النهاية ؛ وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا وإن لم نشأ لم نفعل ، لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا وإن لم نشأ لم نشأ ، بل إذا شئنا فلم يتعلّق مشيئتنا بمشيئتنا بل بغير مشيئتنا ، فليست المشيئة إلينا ، إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيئة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى غير النّهاية . ومع قطع النّظر عن استحالة التّسلسل نقول : جملة مشيئاتنا الغير المتناهية بحيث لا يشذّ عنها مشيئة لا يخلو ( « 1 » ) إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيئتنا أوبسبب مشيئنا ، والثّاني باطل لعدم إمكان مشيئة أخرى خارجة عن تلك الجملة ، والأوّل هو المطلوب . فقد ظهرت : أنّ مشيئتنا ليست تحت قدرتنا ، كما قال الله ( عز وعجل ) : «
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
» ، ( « 2 » ) فإذن نحن في مشيئتنا مضطرّون . وإنّما تحدث المشيئة عقيب الدّاعيّ ، وهو تصوّر الشّيء الملائم تصوّراً ظنّيّاً أو تخيّليّاً أو علميّاً ؛ فإنّا إذا أدركنا شيئاً فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعةً بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منّا شوق إلى جذبه أو دفعه ، وتأكّد هذا الشّوق هو العزم الجازم المسمّى بالإرادة ، وإذا انضمّت إلى القدرة الّتي هي هيئة للقوّة الفاعلة ( « 3 » ) انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات وغيرها ، فيحصل الفعل . فإذن إذا تحقّق الدّاعي للفعل الّذي تنبعث منه المشيئة تحقّقت المشيئة ، وإذا تحقّقت المشيئة الّتي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ؛ فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيئة ،
هامش
( 1 ) - في م أق : يخلوا . ( 2 ) - الإنسان : 30 . ( 3 ) - في د : الفاعليّة .