فصل [ تحقيق القول في كيفية الاختيار ]
قد دريتَ أنّ كلّ ما يوجد في هذا العالم فقد قدّر بهيئته وزمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده ، وقد ثبت أنّ الله ( عز وعجل ) قادر على جميع الممكنات ، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة ، وإلّا لميصلح لمبدأية ( « 1 » ) الكلّ ، فالهداية والضّلالة والإيمان والكفر والخير والشّرّ والنّفع والضّرّ وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ومشيئته إمّا بالذات أو بالعرض ، فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره ، وهي واجبة الصّدور منّا بذلك ، ولكن بتوسّط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا وسكناتنا وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا ؛ فاجتماع تلك الأمور الّتي هي الأسباب والشّرائط مع ارتفاع الموانع علّة تامّة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبّر والمَ - قضيّ المقدّر ، وعند تخلّف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيّز الامتناع ، ويكون ممكناً وقوعيّاً بالقياس إلى كلّ واحد من الأسباب الكونيّة .
ولمّا كان من جملة الأسباب وخصوصاً القريبة منها إرادتنا وتفكّرنا وتخيّلنا ،
وبالجملة ، ما نختار به أحد طرفي الفعل والتّرك ، فالفعل اختياريّ لنا ، فإنّ الله أعطانا القوّة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أيّنا أحسن عملًا مع إحاطة علمه ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريّته لا تدافع كونه اختياريّاً .
كيف ، وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار ، ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار كسائر الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتّفكّر والتّخيّل وقواها وآلاتها كلّها بفعل الله تعالى لا
هامش
( 1 ) - كذا في أكثر النسخ ، وفي ج : لمبدئيّة .