فقد بان انّ حسبان اتّفاق الأشاعرة والحكماء على نفى التعليل بالغرض والعلّة الغائيّة مطلقا ، كما قد انساق اليه ، وهم بعض من يتنطّع من المقلّدين ، انّما منشأه قلّة البضاعة ، ومثاره طفافة التحصيل ، وانّ الأشاعرة ابعد خلق اللّه من مسلك الحكماء في سبيل هذه المسألة .
وميض
انّ شريكنا في التعليم من حكماء الإسلام ، الشيخ ابا نصر الفارابىّ ، قال في كتاب الجمع بين الرائين . انّه لمّا كان البارئ جلّ جلاله ، بانّيّته وذاته مباينا لجميع ما سواه ، وذلك له بمعنى اشرف وأفضل وأعلى ، بحيث لا يناسبه في انّيّته شيء ، ولا يشاكله ولا يشبهه حقيقة . ولا مجازا ، ثمّ مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه واطلاق كلّ لفظة كماليّة من هذه الالفاظ والمواطئة عليه . فانّه من الواجب الضرورىّ ان نعلم ، انّ مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه ، معنى بذاته بعيدا من المعنى الّذي تتصوّره من تلك اللفظة . وذلك كما قلنا بمعنىّ اشرف وأعلى ، حتّى إذا قلنا انّه موجود ، علمنا مع ذلك انّ وجوده لا كوجود سائر ما دونه . وإذا قلنا انّه حيّ . علمنا انّه بمعنى هو اشرف ممّا نعلمه من الحىّ الّذي هو دونه . وكذلك الامر في سايرها . انتهى كلامه .
قلت : وحقيقة ذلك ما قد تظافرت به نصوص أحاديث سادتنا الطاهرين ، خزنة الوحي وحملة العصمة وحفظة الدين ، صلوات اللّه وتسليماته على أرواحهم وأجسادهم أجمعين ، انّه يجب في معرفة اللّه تعالى واثبات ذاته الاحد الحقّ وصفات ذاته وأسمائه الحسنى ، الخروج عن الحدّين ، حدّ التعطيل وحدّ التشبيه . وفي عدّة أحاديث حدّ الابطال وحدّ التشبيه . ونحن قد فصّلنا القول الفصل هنالك ، في مواضع عديدة ، وسيتلى عليك في مؤتنف الامر ، ان شاء اللّه العزيز العليم .
ولقد أحسن خاتم البرعة المحصّلين ، حيث قال في شرح رسالة مسئلة العلم :
المسألة الخامسة عشر في انّ كونه حيّا هل يرجع إلى كونه عالما ، أو هو وصف زائد على هذا المستند في اثبات الحياة ، هو الّذي ذكرناه ، وهو ان العقلاء قصد واوصفه تعالى