تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
فلا يكون بين التصوّر والاعتقاد المذكورين وبين حركة القوّة الشوقيّة ، إرادة أخرى الّا نفس هذا الاعتقاد . فكذلك إرادة واجب الوجود . فانّ نفس معقوليّة الأشياء له ، على الوجه الّذي أومأنا اليه ، هي علّة وجود الأشياء ، إذ ليس يحتاج إلى شوق إلى ما يعقله وطلب لحصوله . ونحن انّما نحتاج إلى القوّة الشوقيّة ، ونحتاج في الإرادة إلى الشوق ، لنطلب بالآلات ما هو موافق لنا ، فانّ فعل الآلات يتبع شوقا يتقدّمه . وهناك ليس يحتاج إلى هذا الشوق واستعمال الآلات . فليس هناك الّا العلم المطلق بنظام الموجودات ، وعلمه بأفضل الوجوه الّتي يجب أن تكون عليها الموجودات ، وعلمه بخير الترتيبات . وهذا هو العناية بعينها فانّا لو رتّبنا امرا موجودا ، لكنّا نعقل اوّلا النظام الفاضل ، ثمّ نرتّب الموجودات الّتي كنّا نريد ايجادها ، بحسب ذلك النظام الأفضل وبمقتضاه . فإذا كان النظام والكمال نفس الفاعل ، ثمّ كان تصدر الموجودات عن مقتضاه ، كانت العناية حاصلة هناك ، وهي نفس الإرادة ، والإرادة نفس العلم . والسبب في ذلك انّ الفاعل والغاية شيء واحد ، والعناية هي ان يعقل واجب الوجود بذاته انّ الانسان كيف يجب أن تكون أعضاؤه ، والسماء كيف يجب أن تكون حركتها ، ليكونا فاضلين ، ويكون نظام الخير فيهما موجودا من دون ان يتبع هذا العلم شوق أو طلب أو غرض آخر ، سوى علمه بما ذكرناه ، من موافقه معلومه لذاته المعشوقة له . فانّ الغرض - وبالجملة ، النظر إلى أسفل ، اعني لو خلق الخلق طلبا للغرض ، اعني ان يكون الغرض الخلق أو الكمالات الموجودة في الخلق ، اعني ما يتبع الخلق - طلب كمال لم يكن لو لم يخلق . وهذا لا يليق بما هو واجب الوجود من جميع جهاته . ثمّ قال : فقد عرفت إرادة واجب الوجود بذاته ، وانّها بعينها علمه ، وهي بعينها عنايته ، وان هذه الإرادة غير حادثة . وبيّنّا انّ لنا أيضا إرادة على هذا الوجه . تعليق في بيان قدرته : كما انّ البارئ الاوّل ، إذا تمثّل تبع ذلك التمثّل الوجود ، كذلك نحن إذا تمثّلنا تبعه الشوق . وإذا اشتقنا ، تبعه لتحصيل الشيء حركة الأعضاء . واعلم انّ القدرة ، هي ان يكون الفعل متعلّقا بمشيّته ، من غير أن يعتبر معها شيء آخر .