في الطرفين .
فاذن ، ليس هناك خلاف بين المتخاصمين ، الّا في قدم العالم وحدوثه ، لا في صفة الإرادة والاختيار للبارئ الفعّال سبحانه . فانّ من تكون فاعليّته عن علم وإرادة ، لا يصحّ ان يوصف بالايجاب والاضطرار ، عند ذي نصيب ما من البصيرة العقليّة ، وصحّة الفعل والترك وبحسب الذات ، وكونه في ذاته بحيث ان شاء فعل وان لم يشاء لم يفعل ، ان هما الّا عبارتان للفلاسفة في تفسير القدرة والاختيار . فتسمية إحداهما قولا بالاختيار والأخرى قولا بالايجاب ، خروج عن حريم الحقّ ، وتخلّع من جبلّة الانصاف . فليعلم .
ومضة
قال علّامة المتشكّكين في شرحه للإشارات : والتحقيق انّ الخلاف هاهنا بين الحكماء والمتكلّمين لفظىّ . لانّ المتكلّمين جوّزوا ان يكون العالم ، على تقدير كونه ازليّا ، معلولا لعلّة ازليّة . لكنّهم نفوا القول بالعلّة والمعلول ، لا بهذا الدليل ، بل بما دلّ على وجوب كون المؤثّر في وجود العالم قادرا . وامّا الفلاسفة ، فقد اتّفقوا على انّ الازلىّ يستحيل ان يكون فعلا لفاعل مختار . فاذن حصل الاتّفاق على انّ كون الشئ ازليّا ينافي افتقاره إلى القادر المختار ، ولا ينافي افتقاره إلى العلّة الموجبة . وإذا كان الامر كذلك ، ظهر انّه لا خلاف في هذه المسألة . انتهى قوله .
فقال خاتم المحصّلين البرعة في الشرح : أقول هذا صلح عن غير تراضى الخصمين .
وذلك لانّ المتكلّمين بأسرهم صدّروا كتبهم بالاستدلال على وجوب كون العالم محدثا ، من غير تعرّض لفاعله ، فضلا عن أن يكون فاعله مختارا أو غير مختار . ثمّ ذكروا بعد اثبات حدوثه ، انّه محتاج إلى محدث ، وانّ محدثه يجب ان يكون مختارا ، لانّه لو كان موجبا ، لكان العالم قديما ، وهو باطل ، بما ذكروه اوّلا . فظهر انهم ما بنوا حدوث العالم على القول بالاختيار ، بل بنوا الاختيار على الحدوث . وامّا القول بنفي العلّة والمعلول ، فليس بمتّفق عليه عندهم ، لان مثبتى الأحوال من المعتزلة قائلون بذلك صريحا .